أخبارالرئيسيةتقارير وملفاتمجتمع

“المبادرة” تناقش ملامح مغرب 2050 وتدق ناقوس التغيير

تحوّل المعهد الوطني للإحصاء التطبيقي بمدينة العرفان بالرباط مساء اليوم الجمعة 13 فبراير الجاري إلى فضاء حيوي للنقاش والتفكير الجماعي حول مستقبل المغرب الديموغرافي. خلال الندوة التي نظمتها جمعية “المبادرة الوطن أولاً ودائماً” والتي لم تكن مجرد لقاء أكاديمي، بل مناظرة فكرية مفتوحة واجه فيها الخبراء والمسؤولون أرقامًا ومعطيات تكشف عن تحولات عميقة في بنية المجتمع المغربي، وتطرح أسئلة جوهرية حول مغرب العقود المقبلة.

وفي أجواء نقاش عميق ومسؤول، احتضنت ندوة “التطور الديموغرافي: الانعكاسات والأولويات الاجتماعية والاقتصادية” مداخلات مؤثرة كشفت عن قلق متزايد من التحولات السكانية التي يشهدها المغرب، وعن الحاجة الملحة إلى إعادة النظر في السياسات العمومية بما يضمن توازن المجتمع واستدامة تنميته.

وفي كلمته، أكد عزيز رباح، رئيس جمعية المبادرة الوطن أولاً ودائماً، أن هذه الندوة جاءت في شكل مائدة مستديرة تهدف إلى المساهمة في النقاش الوطني حول التحول الديموغرافي الذي تعرفه البلاد، مستندًا إلى معطيات الإحصاء العام لسنة 2024.
وأشار رباح إلى أن المؤشرات الديموغرافية المقلقة لم تعد مجرد أرقام جامدة، بل حقائق تنذر بتحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، من أبرزها تسارع وتيرة الشيخوخة، وتراجع معدلات الخصوبة، وضعف تعويض الأجيال.
وأضاف أن هذه الظواهر تتقاطع مع ارتفاع نسب العزوف عن الزواج والطلاق، ما يجعل من الضروري مراجعة الأولويات الاجتماعية والاقتصادية، وإعادة صياغة السياسات العمومية على ضوء هذه التحولات.
وأكد رباح أن بناء الإنسان وتنميته هو الضمان الحقيقي لاستمرار العمران، داعيًا إلى أن يكون النقاش حول الديموغرافيا نقاشًا وطنيًا شاملاً لا يقتصر على الخبراء، بل يشارك فيه المجتمع بكل مكوناته.

هذه الندوة أدارها الخبير الدولي في الاقتصاد والحماية الاجتماعية خالد بنعلي، الذي شدد في كلمته على أن التحولات السكانية لم تعد مسألة ديموغرافية بحتة، بل أصبحت محدداً رئيسياً للسياسات العمومية في مجالات الصحة والتعليم والتشغيل والحماية الاجتماعية، داعيًا إلى إدارة استراتيجية للتحول الديموغرافي بدل الاكتفاء برصده.

وأكد الخبير خالد بنعلي في قراءة تحليلية معمقة للوضع الديموغرافي الراهن، على أن “المغرب يعيش مرحلة انتقالية دقيقة تتسم بـ تراجع معدلات الخصوبة وارتفاع نسبة المسنين فوق 60 سنة”، وهي وضعية شبيهة بما عاشته دول أوروبية واجهت تحديات مماثلة أدت إلى نقص اليد العاملة وفتح الباب أمام الهجرة وتغير البنية الثقافية والاجتماعية.
وشدد بنعلي على أن التعامل مع هذه “التحولات” لا يجب أن يظل اجتماعيًا أو إحصائيًا فقط، بل ينبغي أن يتحول إلى “إدارة استراتيجية” للتحول الديموغرافي، تقوم على مقاربات استباقية تستفيد من التجارب الدولية.

واقترح الخبير بنعلي، مجموعة من التوجهات العملية، أبرزها إدماج فئة المسنين في الدورة الاقتصادية بدل اعتبارها عبئًا بعد التقاعد، وتطوير نظام حماية اجتماعية جديد يضمن لهذه الفئة تغطية المخاطر والعيش الكريم.

كما دعا إلى استغلال المرحلة الحالية قبل بلوغ “الفجوة الديموغرافية” لإعادة تأهيل سوق الشغل ورفع معدلات الخصوبة إلى مستويات متوازنة.
وأشار بنعلي إلى أن الفئة النشيطة، ما بين 15 و60 سنة، تتحمل اليوم العبء الأكبر في تمويل الاقتصاد الوطني، من خلال العمل والإنتاج والتضامن الأسري، ما يستدعي تخفيف الضغط عنها عبر سياسات تشجع على التوازن بين الأجيال.

ودعا بنعلي إلى التفكير في “اقتصاد جديد” موجه للفئة المسنة، أطلق عليه اسم “الاقتصاد الفضي”، باعتباره فرصة اقتصادية واعدة يمكن أن تخلق قيمة مضافة وتساهم في النمو، بدل أن يُنظر إلى “الشيخوخة” كعبء اجتماعي.

وأبرزت نادية الداودي، ممثلة المندوبية السامية للتخطيط، عرضًا شاملاً لنتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، أن المغرب يعيش مرحلة انتقالية ديموغرافية دقيقة تتسم بتراجع الخصوبة، وارتفاع متوسط العمر، وتسارع التمدين، وتغير بنية الأسر.

وأوضحت أن هذه التحولات تفرض إعادة التفكير في التخطيط الترابي والخدمات الاجتماعية وسوق الشغل، داعية إلى اعتماد مقاربة استشرافية في إعداد السياسات العمومية، تقوم على البيانات الدقيقة والتنسيق بين القطاعات استعدادًا لمغرب 2050.

الأسرة المغربية في مفترق التحول

من جانبه، قدّم محمد آيت عزيزي، مدير حماية الأسرة والطفولة والأشخاص المسنين بوزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، قراءة عملية في الأرقام، مشيرًا إلى أن ارتفاع عدد الأسر لا يعكس نمواً سكانياً بقدر ما يعبر عن تحول في النموذج الأسري من الممتدة إلى النووية، ما أدى إلى انخفاض متوسط حجم الأسرة. وأبرز أن 20% من الأسر المغربية تعيلها نساء، في تحول اجتماعي لافت يعكس تغير الأدوار الاقتصادية داخل المجتمع.

كما حذر من تسارع وتيرة الشيخوخة، إذ يُتوقع أن تمثل الفئة التي تفوق 60 سنة خُمس سكان المغرب بحلول 2050، مقابل تراجع الخصوبة وانخفاض نسبة الأطفال.

وأكد أن الوزارة تعمل على إعداد سياسة عمومية للأسرة، وتطوير خدمات موجهة للمسنين، وبرامج لتأهيل المقبلين على الزواج، في إطار ورش الحماية الاجتماعية الشاملة.

الإحصاء كمرآة للذات الوطنية

أما طارق بكريم، الباحث في الفلسفة وأستاذ التربية والتكوين بجامعة ابن طفيل، فقد اختار زاوية فلسفية لقراءة نتائج الإحصاء، معتبراً أن “الإحصاء ليس مجرد عملية تقنية، بل مرآة تنظر فيها الأمة إلى ذاتها”. وأوضح أن تراجع الخصوبة يعكس تحولاً في علاقة المجتمع بالزمن والاستمرارية، وأن الانتقال من الأسرة الممتدة إلى النووية يعبر عن تذرر اجتماعي يهدد التماسك الإنساني في ظل شيخوخة متسارعة.

الشيخوخة… الفئة المنسية

في مداخلة مؤثرة، نبه حميد موفراجي، أستاذ الجغرافيا البشرية بجامعة الحسن الثاني، إلى أن التحول الديموغرافي متعدد الأبعاد ويستدعي استراتيجية وطنية شاملة

. وانتقد ضعف الاهتمام الإعلامي والاجتماعي بفئة المسنين، رغم تزايد حجمها واحتياجاتها، محذرًا من الضغط المتصاعد على أنظمة التقاعد. كما أشار إلى هشاشة النساء المسنات، وضعف البنيات التحتية في القرى، وصعوبات السكن، مؤكدًا أن المجتمع المدني ما زال غائبًا عن هذا الورش الحيوي.

تحولات القيم وتفاوتات المجال

من جهته، أوضح عبد العزيز بويحياوي، أستاذ الجغرافيا بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، أن المغرب يعيش تحولاً تاريخياً في بنيته السكانية، تجلى في انخفاض الوفيات والخصوبة، وتقلص حجم الأسر، وارتفاع نسب التمدين. وأبرز أن هذه التحولات أفرزت اختلالات مجالية وتفاوتات اجتماعية، إلى جانب تغير في منظومة القيم، حيث ارتفع سن الزواج وتزايدت حالات الطلاق، وتبدلت ثقافة الإنجاب بفعل انتشار وسائل تنظيم الأسرة.

بين الفرصة والفخ الديموغرافي

وفي الجانب الاقتصادي، حذر أحمد كشيكش، أستاذ الاقتصاد التطبيقي بجامعة شعيب الدكالي، من أن التحول الديموغرافي قد يكون سلاحاً ذا حدين: فرصة لتحقيق الإقلاع الاقتصادي إذا رافقته سياسات تشغيل فعالة، أو فخاً ديموغرافياً إذا فشل الاقتصاد في استيعاب الطاقات الشابة.

نحو مغرب يستبق المستقبل

اختُتمت الندوة بإجماع المتدخلين على أن الأرقام ليست مجرد إحصاءات جامدة، بل مؤشرات على تحولات عميقة تعيد تعريف المجتمع المغربي. فبين أسرة أصغر، وشيخوخة أسرع، وخصوبة أقل، تتشكل ملامح مغرب جديد يفرض سياسات استباقية متوازنة تضمن حماية الفئات الهشة، واستدامة الأنظمة الاجتماعية، وتحويل التحول الديموغرافي من تحدٍ ضاغط إلى فرصة تنموية حقيقية.

ووضعت الندوة أمام صناع القرار والمجتمع المغربي تحديًا وجوديًا، بتساءلها، كيف يحافظ المغرب على توازنه الديموغرافي دون أن يفقد دينامية التنمية؟ وكيف يحول الشيخوخة من عبء إلى فرصة، ومن تحدٍ إلى رافعة للنمو؟.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button