
الوطن فوق الاصطفافات… والاختلاف لا يفسد الانتماء… فلا تستوردوا أزمات الآخرين… فحماية الجبهة الداخلية أولوية سيادية
بقلم: المهندس عبد الله آيت شعيب.
أيها المغاربة الأحرار،
يا أبناء الوطن الممتد من طنجة إلى الكويرة،
نعيش مرحلة دولية دقيقة، تتقاطع فيها المصالح الكبرى مع الحسابات الإقليمية، وتتداخل فيها الأبعاد العسكرية بالرهانات الجيوسياسية والعقائدية. صراع تتسع رقعته، وتتصاعد نبرته، وتُستعمل فيه كل أدوات الضغط والتأثير، من السلاح إلى الإعلام، ومن الاقتصاد إلى الحروب النفسية.
ومهما اختلفت قراءاتنا لما يجري، ومهما تباينت مواقفنا من أطراف هذا الصراع، فإن هناك حقيقة واحدة لا تقبل الجدل:
المغرب أولاً… واستقراره ووحدته فوق كل اعتبار.
ليس المطلوب أن نتبنى رأيًا واحدًا.
وليس من طبيعة الشعوب الحية أن تفكر بصوت واحد.
الاختلاف في الموقف من القضايا الدولية ظاهرة صحية، بل دليل على حيوية المجتمع ونضجه. لكن الخط الأحمر يبدأ حين يتحول هذا الاختلاف إلى معركة داخلية، وحين يصبح الرأي السياسي معيارًا لقياس الوطنية، وحين تُوزَّع صكوك الولاء والخيانة بحسب زاوية النظر إلى نزاع خارجي.
الوطنية ليست اصطفافًا عاطفيًا مع هذا الطرف أو ذاك.
الوطنية هي صون الاستقرار، وحماية التماسك الداخلي، والحرص على المصلحة العليا للبلاد.
نعم، نعلم أن لإيران مواقف عدائية تجاه قضيتنا الوطنية، ونعلم ما يُثار حول دعمها لجبهة البوليساريو. وهذا معطى استراتيجي لا يمكن القفز عليه أو تجاهله. لكن معالجة هذه الملفات ليست شأن الانفعالات الشعبية، بل هي من صميم اختصاص الدولة ومؤسساتها، التي تتحرك وفق حسابات دقيقة ومعادلات معقدة.
وهنا يجب أن يكون التمييز واضحًا وصريحًا:
الدولة لها حساباتها… والمجتمع له ضميره… والوطن يجمع الجميع:
الدولة المغربية تتحرك في فضاء دولي شديد التعقيد، حيث تُقاس المواقف بميزان المصالح، وتُبنى القرارات على تقدير المخاطر، وحماية الأمن القومي، وصيانة وحدتنا الترابية، وإدارة شبكة علاقات دولية متشعبة.
الدولة ليست كيانًا عاطفيًا، بل مؤسسة مسؤولة عن الأمن والاستقرار، وعن قراءة موازين القوى، وعن اتخاذ قرارات قد لا تُرضي جميع الأطراف، لكنها تُبنى على تقدير استراتيجي شامل.
وفي المقابل، فإن المجتمع المغربي، بقواه الحية من أحزاب ونقابات وعلماء ومثقفين وشباب وفاعلين مدنيين، يملك كامل الحق في التعبير عن مواقفه الأخلاقية والسياسية تجاه القضايا الدولية، حتى وإن اختلفت مع الموقف الرسمي، ما دام ذلك في إطار القانون، والاحترام، وعدم المساس بالمصالح العليا للوطن.
الخلط بين هذين المستويين هو أصل الإشكال.
فليس كل من خالف موقف الدولة خائنًا.
وليس كل من دافع عن مقاربة الدولة متنازلاً عن كرامته أو وعيه.
الانتماء للوطن أوسع من زاوية سياسية.
وأعمق من موقف ظرفي.
وأسمى من انفعال عابر.
إن أخطر ما يمكن أن تفرزه الحروب البعيدة هو أن تمتد شظاياها إلى داخل مجتمعاتنا، فتزرع الشك بين الإخوة، وتُضعف الثقة، وتُحوّل النقاش الفكري إلى صراع هوياتي. وحينها نخسر المعركة الحقيقية: معركة التماسك الداخلي.
الأمم لا تُهزم فقط حين تُقصف حدودها، بل حين تتصدع جبهتها الداخلية.
لا ينبغي أن نسمح لصراعات الآخرين أن تتحول إلى فتنة بيننا.
ولا أن نستورد استقطابات الخارج إلى ساحاتنا الداخلية.
المغرب بلد تعددية واعتدال.
بلد عرف كيف يُدير توازنه عبر التاريخ.
بلد حافظ على استقراره وسط عواصف إقليمية عنيفة.
ومسؤوليتنا اليوم أن نكون في مستوى هذا الإرث.
أن نُحسن إدارة اختلافنا.
أن نرفع منسوب الوعي بدل منسوب التوتر.
أن نناقش بحجة لا بصراخ.
وبحكمة لا باتهام.
فلنختلف… لكن بوعي.
لنحتدّ في النقاش… لكن دون تخوين.
لننتصر لقناعاتنا… لكن دون أن نكسر جسور الأخوة الوطنية.
المغرب ليس ساحة تصفية حسابات دولية.
المغرب وطن يجمعنا جميعًا، مهما اختلفت رؤانا، ومهما تنوعت تحليلاتنا.
فلنجعل شعارنا واضحًا لا لبس فيه:
المغرب أولاً… والوحدة الوطنية فوق كل اصطفاف.
حفظ الله وطننا من الفتن،
وصان وحدتنا من كل تصدع،
وأدام علينا نعمة الأمن والاستقرار، تحت القيادة الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله ورعاه ومتعه بدوام الصحة والعافية.
وجعل الله اختلافنا مصدر قوة لا سبب فرقة.



