الشرق الأوسط..مسرح رقصة مميتة

في عالم يبدو فيه السلام كحلم مخمور، وتتحول الدبلوماسية إلى مجرد تغريدات على (إكس)، تشعل الحرب نيران صواريخها في الشرق الأوسط، حيث تتحالف أمريكا وإسرائيل ضد إيران في رقصة مميتة تشبه لعبة “الكراسي الموسيقية”، لكن هذه المرة مع الصواريخ بدلاً من الكراسي، ودماء تسكب في كؤوس مرفوعة لتبادل الأنخاب انتشاء بالانتصار، بدلاً من الرقص على الموسيقى والانتشاء بالاتفاق على الاستقرار و السلام بالشرق الأوسط.
الحرب في الشرق الأوسط ليست بين أمريكا وإسرائيل ضد إيران فقط، بل هي حرب بين الحقيقة والوهم، بين الشعوب التي تموت، والأنظمة التي تتغذى على موتها. ومن سخرية القدر، أن الجميع يظن نفسه منتصرًا، بينما الخاسر الوحيد في الحرب هو الإنسان.
أمريكا، الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس؛ أو على الأصح لا تغرب عنها الطائرات المقاتلة؛ تلتحق بها بريطانيا وألمانيا، تتحالف مع إسرائيل، الدولة التي تحولت من “أرض الميعاد” إلى “أرض الصواريخ الموعودة”. وفي الجانب الآخر، إيران، التي تُصور “كالشرير الكلاسيكي” في أفلام هوليوود – ملتحي، نووي، ومستعد دائماً للعب دور الخصم.
الحرب هذه ليست جديدة، إنها مجرد إعادة إنتاج لفيلم قديم، لكن مع ميزانية أكبر ومؤثرات خاصة أفضل. الطائرات الأمريكية تطير فوق الخليج، الإسرائيليون يضربون أهدافاً في سوريا أو لبنان كأنها تدريبات روتينية، وإيران ترد بصواريخها وتضرب دول الخليج العربي، كأن الجميع يلعبون لعبة “بوكيمون غو” لكن مع أرواح حقيقية بدلاً من الوحوش الافتراضية.
في الشرق الأوسط، هذه الأيام لا تُقرع طبول الحرب إلا بإيقاع وتكتيك أمريكي، ولا تُرفع الرايات وتهاجم الراجمات والصواريخ والطائرات المسيرات إلا بألوان إسرائيلية، ولا تُسفك الدماء إلا على أرضٍ فارسية أوعربية تُباع وتُشترى في مزادات السياسة وفي سوق الأسلحة الأمريكية والروسية والصينية.
الحرب الجديدة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليست سوى فصلٍ آخر من مسرحية طويلة عنوانها “إعادة تشكيل المنطقة”، أما الممثلون الاحتياطيون المحتوم قتلهم، فهم الشعوب التي لا يُسأل رأيها إلا حين تُعدّ الجثث.
الولايات المتحدة، كالعادة، تدخل الحرب وهي ترفع شعار “الدفاع عن الديمقراطية والحرية والحد من تفوق إيران في السلاح النووي”، بينما تحمل في يدها الأخرى خريطة جديدة للمنطقة مرسومة بأقلام شركات النفط والسلاح.
إسرائيل، من جانبها، تبدو ذلك البطل الذي يستشعر قرب الانتصار والاعلان عن إسرائيل الكبرى، الحلم الذي سيبقى معلقا إلى زمن ما.. فهي تعرف أن كل حرب في الشرق الأوسط تنتهي بزيادة مساحتها السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية، وتنتهي أيضا بإبراز قوتها العسكرية وكفاءة جيشها.
أما إيران، فهي تلعب دور “العدو الضروري”، ذاك الذي يُبقي آلة الحرب مشتعلة، ويمنح الجميع مبررًا للبقاء في حالة طوارئ دائمة. ترفع شعارات المقاومة، وتُطلق الصواريخ، وتُفاوض في الكواليس، ثم تعود لتعلن النصر في نشرات الأخبار، حتى لو كانت المدن تحترق.
في هذه الحرب، لا أحد يبحث عن الحقيقة، لأن الحقيقة تُكلف أكثر من النفط. الإعلام الغربي يبيع رواية “الشر الإيراني”، والإعلام الإيراني يبيع رواية “الاستكبار الأمريكي”، أما المواطن العربي، فيشتري الخوف كل يوم بسعر جديد.
الحديث عن”رسم خريطة جديدة للمنطقة” لم يعد مجازًا. أن هناك من يمسك القلم فعلاً، يرسم حدودًا جديدة، ويعيد توزيع الثروات، ويقرر من سيحكم ومن سيُنفى. الخريطة القادمة لن تُرسم بالمداد، بل بالدم. من المتوقع أن تُمحى دول وتُخلق كيانات، وستُمنح الولاءات لمن يدفع أكثر أو يصرخ أقل.
من سخرية القدر، نجد أن الجميع يتحدث عن “السلام” بينما يجهزون للحرب التالية. أمريكا تبيع السلاح باسم “السلام”، إسرائيل تقصف باسم “الأمن”، إيران ترد باسم “الكرامة”، والعرب يدفنون أبناءهم باسم “القدر”.
الشرق الأوسط اليوم يشبه اليوم رقعة شطرنج، واللاعبون الكبار لا ينظرون إلى المربعات الصغيرة، لأنهم مشغولون بتقاسم الكعكة الكبرى.وفيما تتربص كل من الصين وروسيا، في انتظار حَذِر لبوصلة الحرب، تدخل أمريكا مباشرة وبشراسة في الحرب بشراكة مع إسرائيل.
ربما سيأتي يوم مشؤوم تُنشر فيه الخريطة الجديدة، وستُعرض في المتاحف كإنجازٍ دبلوماسي، وسينسى العالم أن وراء كل خطٍ مرسوم دمعة أمّ، وأن كل حدودٍ جديدة هي جرحٌ قديم لم يلتئم بعد.



