Hot eventsأخبارأخبار سريعةفريق العمل

النموذج التنموي الجديد بين طموح الإصلاح وتحديات التشغيل وخلق الثروة

منذ إطلاق النموذج التنموي الجديد، عُلّقت عليه آمال كبيرة باعتباره خارطة طريق استراتيجية لإعادة توجيه مسار التنمية بالمغرب، وتحقيق إقلاع اقتصادي واجتماعي قادر على الاستجابة لتطلعات المواطنين، خاصة في مجالات التشغيل والعدالة الاجتماعية وتحسين مستوى العيش. غير أن تقارير ودراسات حديثة، من بينها تقرير مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، كشفت أن الأثر المحقق على مستوى التشغيل وخلق الثروة ما يزال دون التطلعات، رغم التقدم المسجل في عدد من الإصلاحات والأوراش الكبرى التي تم إطلاقها خلال السنوات الأخيرة.

بين الرؤية الطموحة والواقع المعقد

جاء النموذج التنموي الجديد استجابة لحاجة ملحة إلى مراجعة الاختلالات التي عرفها النموذج التنموي السابق، خاصة تلك المرتبطة بضعف العدالة المجالية، وتفاوت فرص التنمية، ومحدودية قدرة الاقتصاد الوطني على خلق فرص الشغل الكافية. وقد تضمن هذا النموذج أهدافاً طموحة ترمي إلى مضاعفة الناتج الداخلي الخام، والرفع من معدلات التشغيل، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتحسين جودة الخدمات العمومية.

لكن تنزيل هذه الرؤية على أرض الواقع واجه مجموعة من التحديات البنيوية والظرفية، جعلت النتائج المحققة أقل من مستوى الانتظارات. فالأزمات المتلاحقة، بدءاً من تداعيات جائحة كوفيد-19، مروراً بارتفاع معدلات التضخم والأزمات المناخية، وصولاً إلى التوترات الاقتصادية الدولية، كلها عوامل أثرت على قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق معدلات نمو قادرة على امتصاص البطالة وخلق الثروة بشكل مستدام.

معضلة التشغيل… الحلقة الأضعف

يظل التشغيل المؤشر الأكثر حساسية في تقييم نجاح أي نموذج تنموي. ورغم إطلاق برامج متعددة لدعم الاستثمار والمقاولات وريادة الأعمال، فإن معدلات البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، ما تزال مرتفعة.

وتكمن الإشكالية الأساسية في أن الاقتصاد المغربي ما زال يعتمد بشكل كبير على قطاعات ذات قدرة محدودة على خلق مناصب شغل مستقرة وذات قيمة مضافة عالية. كما أن العديد من فرص العمل المحدثة تظل مرتبطة بالقطاع غير المهيكل أو بمناصب هشة لا توفر الحماية الاجتماعية الكافية.

إضافة إلى ذلك، ما زالت هناك فجوة واضحة بين مخرجات منظومة التعليم والتكوين واحتياجات سوق الشغل، وهو ما يؤدي إلى استمرار المفارقة بين وجود آلاف العاطلين من جهة، وصعوبة إيجاد الكفاءات المطلوبة من طرف بعض القطاعات الإنتاجية من جهة أخرى.

خلق الثروة… نمو لا ينعكس بالقدر الكافي

على مستوى خلق الثروة، شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة إطلاق مشاريع كبرى واستثمارات مهمة في البنيات التحتية والطاقة والصناعة والخدمات. غير أن تأثير هذه الاستثمارات على تحسين دخل الأسر والرفع من القدرة الشرائية ظل محدوداً نسبياً.

فالعديد من المواطنين لا يشعرون بانعكاسات النمو الاقتصادي على حياتهم اليومية، بسبب استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وازدياد الضغوط الاجتماعية. وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً حول جودة النمو المحقق، ومدى قدرته على تحقيق الإدماج الاقتصادي والاجتماعي لفئات واسعة من المجتمع.

إن النمو الاقتصادي لا يقاس فقط بالأرقام والمؤشرات الكلية، بل بمدى انعكاسه على تحسين ظروف عيش المواطنين وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

إصلاحات مهمة لكنها تحتاج إلى تسريع وتيرة التنفيذ

لا يمكن إنكار أن السنوات الأخيرة شهدت إطلاق أوراش إصلاحية كبرى، من بينها تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح الاستثمار، ودعم المقاولات، وتعزيز البنية التحتية، وتطوير الطاقات المتجددة، فضلاً عن الجهود المبذولة في مجال الرقمنة وتحديث الإدارة.

غير أن نجاح هذه الإصلاحات يتطلب تسريع وتيرة التنفيذ، وتحقيق أكبر قدر من التنسيق بين مختلف المتدخلين، وضمان نجاعة الإنفاق العمومي، وتقييم السياسات العمومية بشكل دوري ومستمر.

كما أن تحقيق أهداف النموذج التنموي الجديد يقتضي تعزيز الثقة بين الدولة والمواطن، وبين الإدارة والمستثمر، وبين الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، لأن الثقة تشكل أساس أي تحول تنموي ناجح.

ما المطلوب في المرحلة المقبلة؟

أمام هذه المعطيات، تبدو الحاجة ملحة إلى التركيز على مجموعة من الأولويات الاستراتيجية:

دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة باعتبارها أكبر مشغل لليد العاملة.

تشجيع الاستثمار المنتج بدل الاقتصار على الاستثمارات ذات الأثر المحدود على التشغيل.

إصلاح منظومة التعليم والتكوين وربطها مباشرة بحاجيات سوق الشغل.

تسريع تنزيل الجهوية المتقدمة لتحقيق تنمية متوازنة بين مختلف المناطق.

تعزيز الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

دعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني باعتباره رافعة مهمة لخلق فرص الشغل.

تشجيع الابتكار وريادة الأعمال لدى الشباب.

يبقى النموذج التنموي الجديد مشروعاً استراتيجياً يحمل رؤية واعدة لمستقبل المغرب، غير أن نجاحه لن يقاس بعدد الأوراش المفتوحة أو حجم الاستثمارات المعلنة فقط، بل بقدرته على خلق فرص شغل حقيقية، وتحسين مستوى عيش المواطنين، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

فالتحدي الحقيقي اليوم لا يتمثل في صياغة الرؤى أو إطلاق البرامج، بل في تحويلها إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. وعندما يصبح النمو الاقتصادي قادراً على توفير الشغل الكريم وتحقيق العدالة الاجتماعية، يمكن القول إن النموذج التنموي قد بدأ يحقق أهدافه المنشودة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button