Hot eventsأخبارأخبار سريعةالناس و الحياة

في ذكرى رحيل أخي العميد عبد الحميد

بقلم الاستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي

قد نعيش أعمارنا، لكننا في الحقيقة نحيا على آثار من مرّوا في حياتنا وتركوا في نفوسنا بصمة لا تمحوها الأيام. أناسٌ لم يكونوا مجرد عابرين في طريق العمر، بل كانوا معالم نهتدي بها، ومشاعل نور أضاءت لنا الدروب، فبفضلهم تشكّلت ملامح شخصيتنا، واستقام سلوكنا، وارتقت أرواحنا علماً وأدباً. أولئك لا تسقط أسماؤهم من الذاكرة، ولا تبهت صورهم في القلب، لأنهم صاروا جزءاً من تكويننا الإنساني.
كنتُ من المحظوظين حين رافقت شقيقي في دروب الحياة. كان قد سبقني إليها بست سنوات، فاختبر مسالكها، وعرف منعطفاتها، وتعلم من تجاربها ما جعل حضوره في حياتي أشبه ببوصلة تهديني الطريق. ومع فارق السن، كنا كأننا توأمان؛ تشابه في الملامح، وتقارب في الطباع، وكلما تقدم بنا العمر ازداد الشبه بيننا وضوحاً حتى ظنّ من يرانا أننا خرجنا من مرآة واحدة.
كان عطوف القلب، قريباً من الناس، خدوماً لكل من قصده أو احتاج إليه. يضفي عليه مركزه الاجتماعي وقاراً، وتزيده وظيفته وعمادته بالأمن الوطني وجاهة، لكن ذلك لم يزده إلا تواضعاً وسماحة. كان يأخذ بيد الضعيف، ويسعى في الإصلاح بين المتخاصمين، جواد الطبع كريم النفس، غير أنه إذا حضرت ساعات الجد بدا حازماً ثابت الرأي، بعيد النظر. وكان السلام أول ما يفشيه بين الناس، وكأنه يحمل في قلبه رسالة محبة لا تنطفئ.
تعلمت منه كثيراً؛ تعلمت من صفاء لغته العربية الفصيحة، ومن حرصه على الكلمة الراقية، كما مدّ لي يده في لغة موليير التي لم أدرسها، فكان يصوّب لي العبارة، ويشجعني حتى استقام لساني بها. ولم يكن نصحه عابراً، بل كان حكمة تُغرس في القلب، ومن أجمل ما أوصاني به قوله: اختر صديقك قبل طريقك، واحفظ الودّ ما استطعت، فإن القلوب إذا صدقت دام وصلها.
ثم رحل…
ورحل معه جزء من الضوء الذي كان يبدد عتمة الطريق. شعرت يومها أن ظهري قد انقسم، وأن شيئاً في داخلي لم يعد كما كان. منذ غيابه وأنا أمشي وفي القلب فراغ لا يملؤه أحد، لكنني ما زلت أسير على خطى نهجه، أقتبس من أناقة لباسه، وأستعيد في ذاكرتي جميل نصحه، كأن صوته ما زال يهمس في أذني كلما وقفت عند مفترق من مفترقات الحياة.
رحمك الله يا أخي، وجعل ما زرعته من خير في قلوب الناس نوراً يسبقك إلى رحاب الرحمة.
أسأل الله أن يسكنك فسيح جناته، وأن يجعل ذكراك الطيبة عطراً لا ينقطع في القلوب.
ولروحك السلام.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button