أخبارالرئيسيةفي الصميم

أحزاب تُجدِّد الشعارات… وتُخلِّد الأشخاص

✍️بقلم: خديجة الفقير

في بعض الأحزاب، لا تمارس الديمقراطية… بل تؤجل إلى أجل غير مسمى.الأمين العام لا ينتخب بقدر ما يعاد اكتشافه في كل مؤتمر، كأنه حقيقة ثابتة لا تقبل المراجعة، وكأن الزمن الحزبي قد توقف عند لحظة صعوده الأولى.

تبدأ الحكاية دائما بشعار جذاب: “تجديد النخب”، “ضخ دماء جديدة”، “فتح المجال أمام الكفاءات”… وتنتهي بمشهد مألوف حد الملل: نفس الوجوه تتصدر الصورة، نفس الخطاب يعاد تدويره، ونفس النتائج تقدم باعتبارها انتصارا للديمقراطية الداخلية.

مؤتمرات تعقد، تصويتات تجرى، لكن النتيجة محسومة سلفا… كأن الأمر لا يتعلق باختيار، بل بإخراج محكم لسيناريو محفوظ.ليس المشكل في الاستمرارية حين تكون مبررة بالكفاءة والنتائج، بل في تحولها إلى عقيدة تنظيمية تجرم التغيير وتخيف منه.

حين يصبح التداول مخاطرة، ويقدم البقاء كضمانة للاستقرار، نكون أمام منطق مقلوب: يكافأ الجمود، ويدان الطموح.كيف يمكن لحزب يرفع شعار التأطير السياسي أن يعجز عن إنتاج بديل واحد؟ كيف لتنظيم يدعي صناعة النخب أن يختزل في شخص واحد؟ هل نحن أمام أزمة كفاءات فعلا، أم أمام احتكار ناعم للفرص، يدار باسم “الوحدة” و”تفادي الانقسام”؟الخطاب نفسه يتكرر بوقاحة لافتة: “المرحلة حساسة”، “لا وقت للتجارب”، “الظرفية تفرض الاستمرارية”… وكأن الحزب يعيش دائما في حالة طوارئ دائمة، لا تسمح له بممارسة أبسط قواعد الديمقراطية.

والحقيقة أن “المرحلة” لا تتغير، لأنها ببساطة تستعمل كذريعة جاهزة لتمديد نفس الوجوه.الأدهى من ذلك، أن بعض هذه القيادات تتحدث بثقة عن ضرورة تجديد الطبقة السياسية، وتنتقد عزوف الشباب، وتشتكي من ضعف المشاركة… دون أن ترى التناقض الفج بين خطابها وممارستها. تطالب المجتمع بما ترفضه داخل تنظيمها، وتحمل الخارج مسؤولية أزمة تصنعها في الداخل.

داخل هذه الأحزاب، لا يربى المناضلون على المنافسة، بل على الانتظار. لا يشجع الطموح، بل يؤجل. تبنى مسارات كاملة على وهم “ربما يأتي دورك يوما”… ذلك اليوم الذي لا يأتي أبدا، لأن الكرسي لا يترك، بل يحاط بهالة من القداسة التنظيمية.

في الكواليس، تطبخ “التزكيات” على نار هادئة، ويصنع الإجماع قبل أن يعلن، ويظهر “المرشح الوحيد” كخيار طبيعي، بينما هو في الحقيقة نتيجة إقصاء مسبق لكل احتمال آخر. إنها ديمقراطية الشكل، حيث تفتح صناديق الاقتراع بعد إغلاق باب المنافسة.

ومع مرور الوقت، يتحول الأمين العام من قائد منتخب إلى “قدر حزبي”. وجوده يصبح بديهيا، واستمراره مسلما به، وأي حديث عن بديل يفهم كخروج عن الصف أو قلة وفاء. وهكذا، تتحول السياسة من مجال للتداول إلى مجال للطاعة، ومن فضاء للاختلاف إلى صدى صوت واحد.

الأخطر أن الزمن داخل هذه التنظيمات يتجمد. لا تداول، لا تجديد، لا مفاجآت… فقط إعادة إنتاج مستمرة لنفس البنية ونفس العقليات. حتى الهزائم الانتخابية لا تحدث صدمة كافية لطرح سؤال المسؤولية، بل تغرق في بحر من التبريرات الجاهزة: الظروف، التحالفات، السياق… كل شيء قابل للنقاش، إلا فكرة التغيير.

المفارقة القاسية أن هذه الأحزاب، التي يفترض أن تكون مدارس للديمقراطية، تتحول في بعض الحالات إلى مختبرات لتكريس نقيضها. تدرس فيها تقنيات التصفيق أكثر من آليات المساءلة، ويكافأ فيها الولاء أكثر من الكفاءة، ويؤجل فيها المستقبل لصالح حاضر لا يريد أن ينتهي.

الحقيقة التي يصعب الالتفاف عليها: من لا يجرؤ على تداول المسؤولية داخل حزبه، لن يجرؤ على ممارستها في الدولة. ومن يخاف من منافسة رفاقه، لن يتحمل مساءلة المواطنين. الديمقراطية ليست شعارا يرفع في البرامج، بل سلوك يختبر أولا داخل التنظيمات.لكن، رغم كل هذا، يستمر العرض. شعارات جديدة، ديكور متجدد، لغة أكثر أناقة… ونفس البطل الذي لا يغادر الخشبة. حتى “المحاسبة” أصبحت فقرة بروتوكولية تتلى في التقارير، ثم تنسى فور انتهاء التصفيق.

وفي النهاية، لا يبقى السؤال: من سيخلف الأمين العام؟بل يصبح السؤال الأعمق: هل يسمح هذا الحزب أصلا بفكرة الخلافة؟حين يختزل التنظيم في شخص، والتاريخ في سيرته، والمستقبل في قراره المؤجل، نكون أمام حالة اختناق سياسي ناعم، لا يعلن نفسه كاستبداد، لكنه يمارس كل آلياته بهدوء.الأحزاب التي لا تتجدد… تذبل.

والقيادات التي لا تفسح المجال… تغلق الأفق. والديمقراطية التي لا تمارس… تتحول إلى مجرد زينة لغوية.

ويبقى السؤال معلقا، بإلحاح أكبر كل مرة:هل وجدت الأحزاب لصناعة القادة… أم أن بعض القادة قرروا أن يصنعوا أحزابا على مقاسهم؟إلى أن يأتي جواب صادق، سيظل المشهد كما هو:جمهور ينتظر التغيير… وعرض لا يعرف سوى إعادة نفسه.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button