تصاعد العنف الطرقي بالمغرب.. فيديو القنيطرة يفتح جرحاً قديماً

أعاد فيديو الاعتداء الذي وثّق لحظة عنف صادمة بين سائق حافلة لنقل العمال وسائق شاحنة بمدينة القنيطرة النقاش إلى الواجهة حول تنامي السلوكات العدوانية في الطرقات المغربية، وسط مطالب متزايدة بتشديد العقوبات وتعزيز المراقبة والوقاية.
الواقعة، التي انتشرت بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، أظهرت السائق وهو ينهال على الضحية بعصا في مشهد اعتبره متتبعون “خطيراً” ويرقى إلى مستوى الجريمة، وهو ما دفع النيابة العامة إلى متابعته في حالة اعتقال أمام غرفة الجنايات الابتدائية، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات.
توصيف قانوني مفتوح على احتمالات ثقيلة
من الناحية القانونية، يضع هذا الفعل صاحبه أمام تكييفات متعددة، تتراوح بين جنحة الضرب والجرح، وفق مقتضيات القانون الجنائي، وبين جناية محاولة القتل العمد في حال ثبوت النية الإجرامية. ويؤكد مختصون أن استعمال أداة راضة، مع توجيه الضربات نحو مناطق حساسة، قد يشدد من العقوبة ويغير مسار المتابعة.
كما أن ظروف الواقعة، من قبيل كون المعتدي كان يقود مركبة لنقل العمال، واحتمال مخالفته لقواعد السير، تضيف عناصر أخرى قد تؤثر على تقدير القضاء.
ضغط مهني أم خلل مجتمعي؟
في مقابل الإدانة الواسعة للسلوك، حاولت بعض الأصوات تفسير الظاهرة بكونها نتيجة لضغوط مهنية متراكمة يعيشها سائقو النقل، خاصة في ظل الاكتظاظ وضعف البنية التحتية في بعض المناطق. غير أن هذا التبرير قوبل برفض واسع من طرف الرأي العام، الذي اعتبر أن الضغوط لا يمكن أن تبرر الانزلاق نحو العنف.
وتكشف ردود الفعل المتباينة أن الإشكال أعمق من مجرد حادث معزول، إذ يعكس توتراً يومياً يعيشه مستعملو الطريق، تغذيه عوامل متعددة؛ منها ضعف ثقافة السير، والتهاون في تطبيق القانون، وأحياناً غياب التأهيل النفسي لبعض المهنيين.
مواقع التواصل.. مرآة ومسرّع
لعبت منصات التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تسليط الضوء على الواقعة، حيث تحولت إلى فضاء للنقاش والاحتجاج، بل وأحياناً للمحاكمة الشعبية. وبين من طالب بأقصى العقوبات، ومن حذّر من تعميم الأحكام، برز إجماع واضح على خطورة الظاهرة وضرورة مواجهتها.
الحاجة إلى مقاربة شمولية
حادثة القنيطرة ليست الأولى من نوعها، وقد لا تكون الأخيرة، ما لم يتم التعامل مع الظاهرة بمنطق شامل يجمع بين الردع القانوني والتأهيل السلوكي. فتعزيز المراقبة الطرقية، وتفعيل العقوبات الزجرية، يوازيه ضرورة الاستثمار في التوعية والتكوين، خاصة بالنسبة للسائقين المهنيين.
وفي ظل تزايد مؤشرات العنف في الفضاء العام، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على ضبط المخالفات، بل على إعادة بناء ثقافة احترام الطريق، باعتبارها فضاءً مشتركاً لا يحتمل الانفلات.
خلاصة:
فيديو “سائق القنيطرة” لم يكن مجرد واقعة معزولة، بل إنذار جديد يسلّط الضوء على اختلالات أعمق في السلوك المجتمعي والتدبير الطرقي، ويطرح سؤالاً ملحاً: هل يكفي القانون وحده لردع العنف، أم أن الأمر يحتاج إلى مراجعة شاملة تبدأ من التربية ولا تنتهي عند العقوبة؟



