
باريس ـ أحمد الميداوي
لا يحتاج المرء إلى قراءة كتاب “رأس المال” لصاحبه كارل ماركس، ليدرك أهمية الاقتصاد في تشكيل وتغيير الكثير من سلوكياتنا الاجتماعية وأنماط تفكيرنا واستهلاكنا. فالاقتصاد هو المحرك للعديد من العادات والتقاليد السائدة في المجتمعات، حتى إن أشد المتحمسين والمدافعين عن يوم الأحد كيوم للراحة والاسترخاء، ويوم مُقدّس في التعاليم المسيحية وفي التقاليد الاجتماعية الفرنسية، أصيبوا بنوع من الحيرة وهم يتتبعون جلسة التصويت بالجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) على القانون المنظم للعمل يوم الأحد، في المدن وفي المواقع السياحية، والذي يضع حدا للقوانين المعمول بها منذ قرون.
وهكذا تحوّل يوم الأحد برغبة من السلطات الفرنسية العليا، وبحجة الدفاع عن الإنتاجية والمنافسة الدولية ورغبات الزبائن، إلى يوم عمل، ضداً على أحزاب اليسار التي اعتبرت القانون “خطوة كارثية تهدد بتفكك أُسَرى واجتماعي.
وهكذا أيضا تحوّل يوم الأحد الذي كان على امتداد قرون يوما للراحة والعائلة والاستمتاع بأشهى المأكولات في البيت، والتوجه إلى المخابز المحلية لشراء “الباغيت” الشهير في وقت الظهيرة، إلى يوم يُدشن لسلوكيات وأنماط استهلاكية جديدة قد تتأصل مع استفحال الأزمة الاقتصادية، وقد تساهم تدريجيا في تبضيع إنسانية الإنسان. فبدلا من أخذ قسط من الراحة وقيلولة وقت الظهيرة، وبدلا من الوجبات العريقة المطبوخة في البيت، سيشرع الفرنسي في يوم عطلته المألوفة بتناول وجباته على المكتب مكتفيا بالسندويتشات الخفيفة ومطاعم الوجبات السريعة، بعد أن حارب لمدة طويلة تجارة الماكدونالدز والأكلات الجاهزة.
والقانون المنظم للعمل يوم الأحد، وقد تبناه المجلس الدستوري، وهو أعلى هيئة دستورية في البلاد، لا يلغي مبدأ التراضي بين العمال وأرباب العمل، ولكنه ينص في حالة عدم التفاهم بين الطرفين، على تعويض يزيد عن نصف ما يتقاضاه العامل في الأيام العادية. ويمنح القانون كامل الحرية للعمال في رفض أو قبول العمل يوم الأحد.
وقد جاء هذا القانون في أجواء من التلاسن والمشادات الكلامية بعد أن عاش البرلمان الفرنسي
أثناء مناقشته أحلك أيامه التشريعية، وبعد أن توقفت الجلسات عشرات المرات ورددت أحزاب المعارضة النشيد الوطني، خارج المؤسسة البرلمانية وهو ما لم يحدث منذ 65 سنة.
أما أنا، فحكايتي مع يوم الأحد أنه يومي الجميل بامتياز، لا لأنه يخفف عني أعباء ستة أيام من العناء والجهد، ولكنه اليوم الوحيد الذي أتفرغ فيه لذاتي فقط.. ذاتي التي تنتظرني بشوق للخروج معها سيرا على الأقدام بين المزارع والحقول المحاذية لمقر سكناي أو لاحتساء قهوة مُركزّة من اختيارها لينطلق الحديث بيننا وينتفخ عن حصاد الأسبوع الفائت.. عن الأحلام الجميلة التي بنيناها سويا، أنا وذاتي، ثم فجأة ماتت.. عن ضحكتي التي سكتت، وعن معاني الألم التي تحاصرني بعد أسبوع صفر ضاع مني، وقبله أسابيع وأصفار.. أصفار تعيد كل الأماني التي نسجناها أنا وذاتي إلى مربع الصفر الذي قد لا يحافظ حتى على صفريته، فتتدهور قيمته إلى ما دون الصفر.
أسأل ذاتي عن وضعها الصحي وعن مدى قدرتها على التأقلم مع الفشل القادم، في ظل الفساد الذي توغل كالوباء في بنيتنا الاجتماعية، ليتحوّل إلى ثقافة عامة تحت مسميات مختلفة. أسامحها مرة وأشتمها مرات ومرات، لأنها تعاطفت مع شخص يلقاني يحلف أنه بي واثق، وحين أغيب فهو العقرب.. شخص يعطيني من طرف اللسان حلاوة، ويروع عني كما يروغ الثعلب. أعاتبها بقوة لأنها تركتني أخوض في أماني سعيدة مع كذّاب منافق.
نُنهي قهوتنا ثم نشرع سيرا على الأقدام في رسم معالم أفقنا وفي مصارحة بعضنا البعض.. ذاتي لا تتحمل الخوض مع أشباه المثقفين، وأشباه الإعلاميين وأشباه الأشباه.. تكره كل من يشن على الإبداع الميمون غارته، فيُمعن فيه تخديشا وتشويشا.. ذاتي تكره ممتهنات الغناء الرخيص اللواتي تتسلّقن المجد بتضاريس أجسادهن، والطالبات اللواتي تبعن أنفسهن لأربع عجلات.. ذاتي تضمر كراهية مطلقة للحكومات الآتية بالنصب والكذب وتزييف الإرادات.. تكره وهبي وبنكيران وأخنوش وكل الوزراء والبرلمانيين لصوص المال العاموما أكثرهم ممن يتنفسون اليوم عبير الحرية بلا تابع ولا متبوع.. ذاتي تكره أيضا أصحاب اللحى المسترسلة اللاهثين وراء أصوات البسطاء المغلوبين في حالات تسوّل انتخابي شيطاني تدعو إلى الرثاء.
وتكره بشكل لا يطاق الإعلاميين المافيويين صناع الترهيب والابتزاز.
تحدثني ذاتي عن حبها الكبير للعازفين وللرسامين العالميين، وللشعراء الأدباء المغاربة المتمردين الناقمين على الفساد الأخلاقي، والإداري والسياسي والانتخابي والإنساني، من أمثال محمد شكري، وادريس الخوري، والكغاط وغيرهم، ممن سجلوا أسماءهم في كاتالوغ الآداب العربية وحتى العالمية.
ذاتي تحب في النهاية يوم الأحد لأنه يجمعني بها كل أسبوع لاستعراض الحصاد الضائع الذي يجعل مفاتن الحياة حروفا ميّتة تفوح برائحة الغبن والحقيقة.



