أخبارالرئيسيةثقافة و فن

السينما المغربية ليست عاقرا… بل رهينة الطابوهات الرخيصة

منير لكماني-ألمانيا

ليست أزمة السينما المغربية في ندرة المادة الخام، ولا في فقر الواقع، ولا في غياب القصص الجديرة بأن تتحول إلى أعمال كبيرة تنافس عالميا.

فالمغرب بلد زاخر بالتاريخ، والتنوع الثقافي، والعمق الإنساني، والرموز البصرية، والذاكرة الجماعية الخصبة. وفي مدنه العتيقة، وقراه الجبلية، وصحرائه، وأحيائه الشعبية، ومواسمه، وأمثاله، وحكاياته، ما يكفي لصناعة أفلام رفيعة تجمع بين الخصوصية المحلية والأفق الكوني.

غير أن الخلل يظهر حين يصر بعض صناع السينما على الإبتعاد عن هذا المنجم الوطني، مفضلين طرقا أسهل وأقرب إلى الإثارة السطحية، وكأن المغرب لا يمكن أن يبلغ العالمية إلا إذا جرى تقديمه من أكثر زواياه صدمة وإلتباسا.

التراث المغربي في السينما بين الغنى الحضاري وسوء الإستثمار الفنييمتلك المغرب ثروة سردية نادرة لا تنضب. ففي تاريخه ملاحم المقاومة، وفي مجتمعه قصص الكفاح اليومي، وفي ذاكرته الشعبية حكايات الأسرة، والشرف، والفقد، والهجرة، والتحولات الإجتماعية، وصراع الهوية بين القديم والجديد.

كما أن تنوعه اللغوي والثقافي، من الأمازيغي إلى الحساني، ومن الجبلي إلى الصحراوي، يمنح السينما المغربية إمكانات هائلة لبناء عوالم إنسانية غنية ومتفردة.

وهذه العناصر كلها قادرة على إنتاج أعمال تمس الوجدان العالمي، لأنها تنطلق من الإنسان في جوهره. لكن، بدل إستثمار هذا الثراء، يختار بعض الكتاب والمخرجين تضخيم الإستثناءات السلبية، وتقديم الإنفلات بوصفه مشهدا مركزيا، والإنحراف كأنه التعبير الأكثر صدقا عن المجتمع المغربي، وهو إختيار يظلم الواقع أكثر مما يكشفه.

الطابوهات في السينما بين وهم الجرأة وضعف الخيال الإبداعي

في كثير من الأحيان، يجري تسويق بعض الأعمال تحت شعار الجرأة، بينما هي في حقيقتها تعاني ضعفا في الكتابة، وفقرا في الخيال، وعجزا عن بناء دراما متماسكة من داخل الواقع المغربي نفسه.

فحين يعجز النص عن إنتاج شخصيات عميقة، أو عن طرح أسئلة كبرى، يلجأ إلى وصفات جاهزة: مشاهد صادمة، وعلاقات جسدية مباشرة، وألفاظ سوقية، وكسر متعمد للحياء العام.

ثم يقدم ذلك كله بإعتباره علامة حداثة أو تحررا فنيا. والحقيقة أن الجرأة الحقيقية ليست في تعرية الأجساد، بل في تعرية الأعطاب العميقة للمجتمع، من فساد وتفاوت وتهميش وفقدان للمعنى.

فالجرأة هي أن يهز العمل وجدان المتلقي بفكرة قوية ورؤية صادقة، لا أن يستدر إنتباهه بالإثارة السهلة.العالمية في السينما بين الصدق الفني وإغراء الصدمة المفتعلةمن أكثر الأوهام تداولا أن الطريق إلى المهرجانات والجوائز العالمية يمر حتما عبر الجنس وخدش الحياء.

وهذا تصور مضلل، لأنه يفترض أن الثقافة المغربية لا يمكن أن تكون جذابة إلا إذا نزعت عنها وقارها. والحال أن العالمية لا تصنعها المشاهد الحميمية، ولا العناوين المستفزة، بل يصنعها الصدق الفني، وقوة الكتابة، وعمق الشخصيات، وجودة الصورة، والقدرة على تحويل المحلي إلى إنساني شامل.

لقد أثبتت تجارب سينمائية عديدة، في العالم وخارجه، أن الوفاء لروح المجتمع ليس عائقا أمام الإنتشار، بل قد يكون شرطا من شروطه. فالفيلم الذي يخرج من بيئته بصدق، ويحترم ذاكرة ناسه، يكون أقدر على الوصول إلى الآخر من عمل يتنكر لجذوره سعيا وراء تصفيق عابر.

الحياء في الثقافة المغربية بين القيمة الجمالية وسوء الفهم الفني

يخطئ من يتصور أن الحياء في الثقافة المغربية مجرد قيد يجب التخلص منه بإسم الحرية الفنية. فالحياء، في الوجدان المغربي، ليس فقط ضابطا أخلاقيا، بل هو أيضا جزء من الذوق، ومن صورة الجمال، ومن طريقة التعبير عن الحب والألم والعلاقة بالآخر.

فالمغربي لا يرفض الفن، لكنه يرفض إبتذاله. ولا يعادي التعبير، لكنه يميل إلى التلميح الراقي بدل المكاشفة الفجة. ومن هنا، فإن السينما التي تحترم هذا الحس العام ليست سينما خائفة أو متخلفة، بل قد تكون أكثر نضجا ورهافة، لأنها تراهن على الإيحاء بدل الإستعراض، وعلى المعنى بدل الصدمة، وعلى الإنسانية بدل التسليع.

الجمهور المغربي والسينما بين مطلب التمثيل وإحترام الهوية

ليست المشكلة في أن المغاربة ضد السينما، بل في أن شريحة واسعة منهم لا تجد نفسها في كثير من الأعمال المعروضة. فالجمهور المغربي لا يطلب فنا مزيفا، ولا صورة مثالية عن المجتمع، لكنه يرفض أن تختزل هويته في الطابوهات، وأن يقدم بلده كأنه فضاء الإنفلات وحده.

إنه يريد سينما تحاوره، وتنقل همومه الحقيقية، وتلامس قضاياه اليومية، وتنتصر للمعنى والجمال معا. ولذلك فإن مستقبل السينما المغربية يمر عبر ثقة أكبر في التراث، وفي الإنسان المغربي، وفي قدرة القيم نفسها على أن تكون مادة فنية عميقة. فالعالمية الحقيقية لا تبدأ من التنكر للذات، بل من الإيمان بها، والكتابة منها، وتقديمها للعالم بصدق وجدارة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button