زرهون… حين تتجسد المدينة في جبة امرأة

بقلم:القبطان عبد الله دكدوك
يا زرهون…
يا امرأةً لا تشبه النساء،
ويا قصيدةً هبطت من سماء الله فاستقرت بين جبلين لتعلّم الأرض معنى الجمال.
منذ عرفتكِ وأنا أرتب أسماء المدن كما يرتب العاشق صور حبيباته،
فإذا بكِ تمزقين القائمة كلها،
وتجلسين وحدكِ على عرش القلب، ملكةً لا ينازعها أحد.
ماذا أقول عنكِ؟
أأقول إنكِ مدينة؟
والمدن تُقاس بالمسافات، وأنتِ لا تُقاسين إلا بالدهشة.
أأقول إنكِ قرية؟
والقرى تنام باكراً، أما أنتِ فتظلين مستيقظةً في ذاكرة التاريخ وفي دفاتر العشاق.
أم أقول إنكِ امرأة؟
وكل النساء يأتين منكِ، ولا تأتي أنتِ من أحد.
يا زرهون…
يا ابنة الجبل النبيل،
يا من تعلّمت من الصخور الثبات والكبرياء،
ومن الغيوم رقة الحنين،
ومن الينابيع لغة الغناء.
كلما صعدت نحوكِ أشعر أنني لا أصعد طريقاً،
بل أصعد سلماً من الضوء نحو حوريةٍ نسيت السماء أن تستعيدها.
أراكِ من بعيد فتبدو الجبال حولكِ كأنها حراس أوفياء،
يحرسون ملكةً لا ينبغي للزمن أن يمسّ تاجها.
وأقترب…
فتفوح رائحة التاريخ من حجارة الأزقة،
وتخرج القرون القديمة من خلف الأبواب العتيقة،
وتجلس بجانبي لتروي حكاياتها.
هنا مرّ الأمازيغ…
فتركوا في عينيكِ لون الأرض الأولى،
وقوة الشجر حين يتشبث بالتربة.
وهنا مرّ الرومان…
فتركوا آثار أقدامهم على صفحات المكان،
لكنهم رحلوا جميعاً،
وبقيتِ أنتِ.
وبقي جمالكِ شاهداً على أن الحضارات قد تعبر المدن، لكن المدن العظيمة هي التي تعبر الحضارات.
يا زرهون…
كم امرأةً في الدنيا تملك هذا المزيج العجيب؟
فيكِ صرامة الجبل ورقة الزهرة،
فيكِ حكمة الشيوخ وضحكة الأطفال،
فيكِ وقار التاريخ وشقاوة الربيع.
وحين يهب المساء على سفوحكِ الخضراء،
أراكِ ترتدين فستاناً من الضباب،
وتسرحين شعركِ بأصابع الريح،
وتضعين على جيدكِ عقداً من نجوم سقطت سهواً من السماء.
يا زرهون…
أحب زيتونكِ حين ينحني محملاً بالخيرات،
وأحب كرومكِ حين تتدلى كأنها أقراط في أذني عروس.
وأحب تينكِ حين ينضج على مهل كما تنضج القصائد الجميلة.
وأحب حقولكِ حين تمتد حتى الأفق كأن الأرض قررت أن ترتدي اللون الأخضر احتفالاً بكِ.
أما ناسكِ…
فهم الحكاية الأجمل.
وجوههم تشبه الخبز الساخن،
وكلماتهم تشبه الماء العذب،
وقلوبهم واسعة كسماء الصيف.
فيهم طيبة القرويين، وعزة الجبليين، وكرم المغاربة حين يبلغ الكرم ذروته.
لكنني يا زرهون…
لست عاشقاً عابراً جاء من مدن بعيدة ليلتقط صورة ويرحل.
أنا ابنكِ…
أنا ذلك الطفل الذي فتح عينيه أول مرة على ضوء صباحاتكِ.
أنا ابن درب الخطاطبة، من حي خيبر،
حيث كانت الحجارة تعرف أسماءنا، وكانت الأزقة تحفظ ضحكاتنا كما تحفظ الأم أسماء أبنائها.
هناك…
تركت خطواتي الأولى،
وهناك تعلمت أن للتراب رائحة تشبه الخلود،
وأن للأوطان الصغيرة قلوباً أكبر من القارات.
ومن هناك كنت أطل على الدنيا وأنتِ تكبرين في وجداني يوماً بعد يوم،
حتى صرتِ ليس مسقط رأسي فقط،
بل مسقط قلبي أيضاً.
وإذا كان العاشقون يفتخرون بقصورهم،
فإني أفتخر ببيتٍ صار اليوم أطلالاً في أحد أركانكِ الحبيبة.
بيتٌ ربما نال منه الزمن،
وربما تشققت جدرانه،
وربما غابت عنه الأصوات التي كانت تملؤه دفئاً،
لكني لا أريده أن يرمم.
لا أريده أن يرمم…
لأنني أخاف أن تسرق الإسمنتات الجديدة رائحة أمي وابي من الجدران الباقية،
وأن تخفي الأصباغ الجديدة بصمات طفولتي.
أريده كما هو…
شاهداً على زمنٍ جميل،
وحارساً أميناً لأسرار العمر.
فبعض البيوت لا تُرمم بالحجارة،
بل تُرمم بالحنين.
وبعض الأطلال أفصح من آلاف القصور.
ومن سفوحكِ المباركة أطل الفاتح الأكبر، سيدنا إدريس الأول،
حاملاً مشعل النور وبذرة الدولة المغربية الأولى،
فاحتضنته الجبال، وحفظت خطاه الوديان، وتباركت الأرض بقدومه الكريم.
ومن حوله نسج التاريخ عباءته،
وتعاقبت الأجيال تكتب على ترابكِ فصول المجد والانتماء.
لهذا…
إذا سألوني يوماً:
أي امرأةٍ أحببت؟
لن أذكر اسماً،
ولن أبحث في دفاتر العشاق عن جواب.
سأشير فقط إلى جبلٍ يحتضن السماء،
وإلى مدينةٍ اسمها زرهون.
فهي المرأة الوحيدة التي كلما ابتعدت عنها ازددت قرباً منها.
والحبيبة الوحيدة التي كلما غابت عن العين ازدادت حضوراً في القلب.
أما منزلي الذي صار أطلالاً، فسأتركه كما هو…
لا لأنني أعجز عن ترميمه،
بل لأنني أؤمن أن بعض الأمكنة حين تتحول إلى ذاكرة تصبح أقدس من أن تُمس.
وسأبقى أجيء إليه كلما أثقلني العمر،
أجلس بين حجارته الصامتة،
وأصغي إلى أصوات الراحلين وهم يمرون في شراييني.
أما أنتِ يا زرهون…
فستبقين أول امرأة دخلت قلبي دون استئذان،
وآخر امرأة تغادره حين أغادر الدنيا.
فلا مدينة بعدكِ تشبهكِ،
ولا امرأة بعدكِ تغريني،
ولا جمال بعد جمالكِ يستوقفني.
لأن من شرب الماء من ينابيع زرهون،
ومن نام على كتف جبالها،
ومن كتب اسمه على جدران درب الخطاطبة بحي خيبر،
لا يعود يبحث عن وطنٍ آخر،
ولا عن حبيبةٍ أخرى.
يكفيه أن يقول:
هنا ولدت…
وهنا تركت قلبي…
وهنا سيبقى عشقي مقيماً بين الأطلال والزيتون والذاكرة،
إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.



