هل نحن أمام أزمة تشغيل أم أزمة نموذج اقتصادي؟

بقلم : الحسن سنداني
ما يطفو على السطح من أرقام صادمة ليس سوى عرضٍ لمرضٍ أعمق. الحديث عن “سكتة قلبية” في خلق فرص الشغل ليس مبالغة بل توصيف دقيق لوضع اقتصادي يعيش اختلالاً بنيوياً، حيث تتعايش الاستثمارات مع بطالة مزمنة، ويتوسع الاقتصاد دون أن يخلق ما يكفي من الكرامة المهنية.
أولاً: المفارقة الصادمة – نمو بلا وظائف
المغرب نجح خلال السنوات الأخيرة في جذب استثمارات كبرى، خصوصاً في قطاعات صناعية وتصديرية (السيارات، الطيران، الطاقات المتجددة)، لكن هذه الاستثمارات تعتمد على رأسمال كثيف وتكنولوجيا عالية، ما يعني أنها تخلق قيمة مضافة أكثر مما تخلق مناصب شغل.
بمعنى آخر: نحن نبني اقتصاداً حديثاً… لكن بأيدٍ عاملة محدودة.
ثانياً: جوهر الأزمة – ضعف النسيج المقاولاتي الصغير
المشكل الحقيقي لا يكمن فقط في قلة الوظائف، بل في ضعف قدرة المقاولات الصغرى والمتوسطة على خلقها والاستمرار فيها.
هذه الفئة، التي يفترض أن تكون العمود الفقري لأي اقتصاد، تعاني من اختناقات قاتلة:
صعوبة الولوج إلى التمويل: الأبناك تميل إلى تمويل المشاريع الكبيرة أو المضمونة، بينما تُقصى المقاولات الصغيرة بسبب غياب الضمانات.
تعقيد المساطر الإدارية: رحلة تأسيس مقاولة أو تدبيرها يومياً مليئة بالعراقيل البيروقراطية التي تستنزف الوقت والموارد.
ضغط جبائي غير متوازن: المقاولة الصغيرة تؤدي ما يفوق قدرتها مقارنة بالاقتصاد غير المهيكل الذي ينافسها دون التزامات.
ضعف المواكبة والتأطير: أغلب حاملي المشاريع يفتقرون للدعم التقني والتجاري، مما يجعل نسبة الفشل مرتفعة في السنوات الأولى.
ثالثاً: الاقتصاد غير المهيكل… المنافس غير العادل
جزء كبير من النشاط الاقتصادي يتم خارج الإطار القانوني، ما يخلق منافسة غير متكافئة.
المقاولة الصغيرة المنظمة تجد نفسها في مواجهة فاعلين لا يدفعون ضرائب ولا يحترمون القوانين، مما يقتل روح المبادرة ويحد من التوسع والتشغيل.
رابعاً: أزمة ملاءمة التعليم مع سوق الشغل
نسبة 43% من حاملي الشهادات في وظائف غير ملائمة ليست رقماً عابراً، بل دليل على خلل عميق في منظومة التكوين.
الاقتصاد يطلب مهارات، بينما التعليم يُخرّج نظريات.
والنتيجة: بطالة مقنّعة، وإهدار لرأس المال البشري.
خامساً: إقصاء النساء… طاقة معطلة
حين تكون 8 نساء من أصل 10 خارج الدورة الاقتصادية، فنحن لا نتحدث عن خلل اجتماعي فقط، بل عن خسارة اقتصادية فادحة.
أي نموذج تنموي يستثني نصف المجتمع محكوم عليه بالفشل
أين يكمن الخلل الحقيقي؟
الجواب باختصار:
المغرب لا يعاني من نقص في الاستثمار، بل من ضعف في “سلسلة تحويل الاستثمار إلى فرص شغل”.
هذه السلسلة تمر عبر:
مقاولة صغرى قوية
تمويل عادل
إدارة مرنة
تكوين ملائم
بيئة تنافسية نزيهة
وحين تختل إحدى هذه الحلقات… ينهار التشغيل.
الخلاصة التحليلية
نحن أمام اقتصاد يسير بسرعتين:
سرعة عالية في جذب المشاريع الكبرى
وسرعة بطيئة جداً في خلق فرص الشغل الواسعة
والضحية هو الشاب المغربي الذي يجد نفسه بين خيارين: البطالة أو عمل لا يعكس كفاءته.
*الرسالة الأساسية
إذا لم يتم إنقاذ المقاولات الصغرى والمتوسطة،
فلن يكون هناك حل حقيقي لأزمة التشغيل…
مهما تضاعفت الاستثمارات.



