
بقلم: عبد الهادي مزراري
زار الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، في الأيام القليلة الماضية، كل من فرنسا والإمارات العربية المتحدة، وذلك بالتزامن مع أحداث إقليمية ودولية بالغة الخطورة (التوثر في منطقة الساحل، الأحداث الدامية في مالي، تداعيات الحرب في الخليج).
بلا مواربة، تخفي كلا المحطتان في باريس وأبو ظبي الكثير من الأسرار المتعلقة بماضي موريتانيا ومستقبلها. فهل نحن أمام تحضيرات تعد لها نواكشوط لإعادة تموقعها؟ أم مجرد تحركات روتينية كغيرها من الزيارات والمشاورات؟.
موريتانيا كما عرفها الرأي العام
طالما احتلت موريتاتيا المقعد الخلفي في المشهد السياسي الإقليمي والقاري والعربي. وظلت تتبع سياسة “من لا حول له ولا قوة”، بدافع درء المفسدة وجلب المصلحة.
إقليميا، منذ إعلان تأسيسها في 28 نونبر 1960، إثر انسحاب فرنسا من المنطقة، شكلت موريتانيا الحلقة الأكثر تأثرا بما يجري في محيطها الإقليمي. وباعتبارها مستعمرة فرنسية سابقة، عانت سيادتها من التدخل الخارجي، وتعرض استقرارها لهزات كثيرة.
من جهة أخرى، خضعت موريتانيا كثيرا لإكراهات الجغرافيا السياسية. وقضت مضاجعها مشاكل على الحدود مع السنغال، والوضع غير المستقر في مالي، والضغوط المستمرة من الجزائر، فضلا عن أزمة الصحراء التي حولتها إلى حلبة صراع بين المغرب والجزائر.
قاريا، ظلت موريتانيا كغيرها من الدول الإفريقية، فاقدة لأي إمكانية للتأثير في تطور ونمو القارة السمراء. في المقابل عانت من ظاهرة الانقلابات على السلطة.
وشهدث فترات عصيبة من عدم الاستقرار. وهدرت الكثير من فرص التنمية بسبب الفساد، ولم تتمكن من الاستفادة من ثرواتها الطاقية والمعدنية، التي تذهب عائداتها إلى جهات خارجية، وفي مقدمتها فرنسا.عربيا، اشتركت موريتانيا في إطار جامعة الدول العربية مع نظرائها العرب في تقاسم آثار الصراع العربي الإسرائيلي على مدى عقود طويلة.
رغم البعد الجغرافي عن منطقة الشرق الأوسط.ظلت موريتانيا تعتبر نفسها جزءا من “الأمتين العربية والإسلامية”. تحدو الخطى السياسية نفسها، التي تتخذها شقيقاتها من مواقف وقرارات، في زمن الحرب كما في زمن السلم، فجربت التطبيع كما جربت المقاطعة.
موريتانيا وعقلية تاجر القافلة
بين كل الأزمات التي قوضت موريتانيا، يبرز مشكل الصحراء المغربية، الذي تعاملت معه نواكشوط بعقلية “تاجر القافلة”، ومن أجل ترويج موقفها ظلت تنشد السلام بين مختلف الأطراف المتعاركة.منذ بداية الأزمة، منتصف السبعينيات، تعرضت موريتانيا لهجمات مسلحة قادتها جبهة البوليساريو. كان أخطرها الهجوم المسلح على نواكشوط بهدف إسقاط الحكم واحتلالها، وهو الهجوم الذي قتل فيه زعيم البوليساريو المصطفى الوالي السيد في 9 يونيو 1976.
تحت تهديدات البوليساريو وبضغط واضح من النظام الجزائري، اعترفت نواكشوط بجبهة البوليساريو. وفي الوقت نفسه قررت الحفاظ على علاقات مستقرة مع المغرب.
سلكت موريتانيا طريقا مفخخا بين المغرب والجزائر، وحاولت صبغ موقفها ب”الحياد الإيجابي”، منتظرة الوقت الذي تعرف فيه الأزمة حلها النهائي. من جانبه، سلك المغرب سياسة “عار الجار على جاره”. وهو أسلوب مترسخ في السلوك الاجتماعي للمغاربة، جعل الرباط تترفع عن مطالبة نواكشوط بما فوق طاقتها.
نواكشوط في قلب تحولات عاصفة
طيلة نصف قرن من نزاع الصحراء المغربية، جرت مياه كثيرة تحت الجسر. صدرت عشرات القرارات عن مجلس الأمن، وتعاقب مبعوثون أمميون كثر، وراجت مخططات عدة تنشد التسوية السلمية للنزاع.استفادت مورتانيا كثيرا من الوضع القائم، خاصة في ظل تقدير المغرب لظروفها، ولم يشترط عليها سحب الاعتراف بجبهة البوليساريو، والاعتراف بسيادته على الصحراء، كما فعل مع بلدان كثيرة منها دول كبرى مؤثرة مثل فرنسا وإسبانيا وألمانيا.
غير أن التطورات التي عرفها ملف الصحراء المغربية، عقب اعتراف الدول الكبرى بسيادة المغرب على الصحراء، وبعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي 2797، في 31 أكتوبر 2025. لم يعد الوضع مواتيا لموريتانيا لكي تستمر في اللعب على الحبلين.يوفر القرار 2797 فرصة مثالية لنواكشوط لسحب الاعتراف ب “دولة غير موجودة”. خاصة أن القرار يعتبر موريتانيا إلى جانب الجزائر والبوليساريو أطرافا أساسية في الأزمة مع المغرب، ويدعوها إلى العمل من أجل اتفاق سلمي يقر حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية.
لا شك أن الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني يرى بوضوح الطريق الذي سيسلكه، وهو الآن بصدد رصد التحولات العاصفة التي تضرب المنطقة. وهو يوازن بين الضغوط التي يتعرض لها النظام الجزائري في موضوع الصحراء، مقابل الاكتساح الدبلوماسي الذي يحققه المغرب.
كما يتابع ولد الشيخ الغزواني باهتمام كبير ردات فعل النظام الجزائري سواء في مالي أو في مواقع أخرى مني فيها بالهزيمة.
ولعل أكبر خطوة ستقوم بها موريتانيا في تاريخها، ومنذ نشأتها، هو ماذا ستقرره بشأن قضية الصحراء؟إن ساسة موريتانيا يدركون اليوم أن موقفهم من قضية الوحدة الترابية للمغرب، أصبح مطوقا بمعطيات جديدة وتطورات لا تقبل غض الطرف في وقت لم يعد فيه الوقوف في خط الوسط موقفا.



