Hot eventsأخبارأخبار سريعةمجتمع
حين يتكلم الجميع باسم الشعب… ويغيب صوت الشعب

بقلم: الحسن سنداني
في المشهد العام اليوم، يبرز تناقض صارخ: كثرة المتحدثين باسم المغاربة، مقابل ندرة من يصغون إليهم فعلاً. مؤثرون، سياسيون، “خبراء”، وأبواق إعلامية يتسابقون لاحتكار تمثيل الرأي العام، كلٌّ يدّعي أنه يعبّر عن “نبض الشارع”، وكأن هذا الشارع كيان صامت يحتاج من يترجم عنه، لا مجتمع حيّ متعدد الأصوات والتجارب.
- وهم “الناطق الرسمي باسم الشعب”
أخطر ما في هذه الظاهرة هو تحويل المجتمع إلى كتلة واحدة بلا اختلاف. يتم اختزال ملايين المغاربة في رأي واحد، أو موقف واحد، أو حتى مزاج واحد. هذا التبسيط المخلّ يخدم المتحدث أكثر مما يخدم الحقيقة، لأنه يمنحه سلطة رمزية: سلطة التوجيه والتأثير دون مساءلة حقيقية.
لكن الواقع مختلف تماماً. فالمجتمع المغربي متنوع في طبقاته، اهتماماته، وتصوراته. ما يعتبره البعض أولوية، قد لا يعني شيئاً لغيرهم. لذلك، الادعاء بامتلاك “الحقيقة الشعبية” ليس سوى نوع من الوصاية المقنّعة. - صناعة الرأي بدل نقله
في كثير من الحالات، لا يكتفي هؤلاء بنقل ما يعتقدون أنه رأي الشارع، بل يعملون على صناعته. يتم توجيه النقاش، تضخيم قضايا معينة، وتهميش أخرى، وفق أجندات قد تكون سياسية، تجارية، أو حتى شخصية.
وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً كبيراً في هذا التحول. فعدد المتابعين أصبح يُترجم إلى “شرعية” في الحديث باسم الناس، رغم أن هذا العدد لا يعكس بالضرورة تمثيلاً حقيقياً للمجتمع، بل أحياناً مجرد فقاعة رقمية. - خلط بين التأثير والتمثيل
هناك فرق جوهري بين أن تؤثر في الناس، وأن تمثلهم. التأثير يعني تقديم رأي قد يقتنع به البعض ويرفضه آخرون. أما التمثيل، فيفترض تفويضاً أو شرعية واضحة، وهو ما لا يتوفر في أغلب هذه الحالات.
المشكلة أن هذا الخلط يُنتج خطاباً فوقياً، يتعامل مع المواطن كمتلقٍّ سلبي، لا كفاعل واعٍ قادر على تكوين رأيه الخاص. - نتائج خطيرة على الوعي العام
هذه الظاهرة ليست مجرد فوضى في الخطاب، بل لها تبعات عميقة:
تمييع النقاش العمومي وتحويله إلى صراع شعارات.
إضعاف ثقة المواطن في الخطاب السياسي والإعلامي.
خلق استقطاب حاد بين فئات المجتمع.
تهميش القضايا الحقيقية لصالح قضايا “مصنوعة”. - استعادة الصوت الحقيقي للمواطن
الحل لا يكمن في إسكات هؤلاء، بل في إعادة التوازن:
تعزيز ثقافة النقد والتحقق لدى المواطنين.
دعم الإعلام الجاد الذي ينقل الواقع بدل تأويله.
تشجيع المشاركة المباشرة في النقاشات العمومية.
الفصل بين الرأي الشخصي وادعاء تمثيل الجماعة.
في النهاية، الشعب المغربي ليس أخرس ولا يحتاج وصياً. هو قادر على التعبير، لكن مشكلته ليست في غياب الصوت، بل في الضجيج الذي يحجبه. لذلك، المعركة الحقيقية اليوم ليست من يتحدث أكثر، بل من يصغي بصدق.



