Hot eventsأخبارالرئيسيةحوارسياسةصحافة وإعلامفي الصميم

واش هذا حوار صحفي؟!

الأستاذ المحترم له كل التقدير والاحترام، لكن هذا لا يعني أنه منزه عن النقد من منظور مهني وعلمي، والنقد موجه لإدارته لحوار الصحفي مع القيادي في حزب العدالة والتنمية الدكتور إدريس الأزمي الإدريسي.

سنناقش بهدوء، ونركز على طريقة إجراء الحوار، مهنيا وعلميا، ولا يهمنا الآن، شخص يوسف بلهيسي المحترم، باعتمدنا على مرجعية “جنس الحوار الصحفي” كمعيار للتقييم.

بقلم: مصطفى بوكرن

الحوار الصحفي يقوم على مبادئ، هناك من يشمئز من التوتر الموجود في الحوار، ويريد أن يرى ضيفه الذي يمثله أن يكون مستريحا ويضع رجلا على رجل كما يفعل الوزير المحترم عزيز أخنوش، الحوار الذي ليس فيه توتر وصراعا لا يعد حوارا، هو لقاء لأغراض الدعاية وفقط، ولذلك الحوار يقوم أولا: على تضاد في وجهات النظر، لجذب المتابعة إلى النهاية، وثانيا: يقوم على التفاعل اللحظي، ترى الضيف جسدا ونبرة وبديهة، وهذا مهم في تشكيل المعنى لدى المشاهد، وثالثا: لابد للمحاور أن يحاصر الضيف ليستخرج منه الأخبار النوعية.

ولذلك، من انزعج بسبب رؤيته إدريس الأزمي الإدريسي متوترا، هذا لا ينبغي أن يكون هو السبب الحوارات هذه طبيعتها، إن لم ينته الضيف من الحوار وهو يتصبب عرقا فهذا ليس بحوار.

ولكن أين هو المحاور الصحفي المهني الذي له قدرات فريدة ومتميزة في جعل الضيف متوترا، ويظل الصحفي مهابا هادئا يطرح الأسئلة بدقة وذكاء كبير. ودائما أتذكر حسن معوض المذيع الفلسطيني الذي اشتغل في البي بي سي وانتقل إلى العربية في برنامج نقطة نظام، مدرسة في إدارة الحوار الصحفي، يظل هادئا كالثلج وضيفه يغلي.

لابد للصحفي المهني أن يلتزم بهذه الضوبط، أولا: يلتزم الحياد، يطرح الرأي الآخر دون أن يتبناه. ثانيا: الأمانة في النقل، لا يكذب ولا يغالط ولا يدلس، ثالثا: السيطرة على الإيقاع، لا يترك الضيف يمارس الدعاية، أو الهروب من الأسئلة، رابعا: الإعداد المسبق، بالبحث في الأرشيف، والبحث في سيرة الضيف، والبحث عن التناقضات. يعني أن الحوار الصحفي المميز المهني، من أصعب الأجناس الصحفية، ليس كل من هب ودب يتقنه.

الآن، سنأتي لنخضع الأسئلة الأولى، لهذه المبادئ والضوابط العلمية والمهنية، من خلال حوار السي يوسف مع السي إدريس.

بعد أن بدأ يرد الازمي على ما قاله الوزير لحسن السعدي، قاطعه الصحفي يوسف، قائلا: “المشكل ليس قانوني بل سياسي”. يبدو أن الصحفي يريد إرجاع الضيف إلى صلب الموضوع ويحدد له أنه “سياسي”، لكن الطريقة خاطئة، كان عليه أن يطرح سؤالا، لك يوسف، يتكلم يقرر بشكل جازم، أنه سياسي، هنا توقف عن كونه “سائلا” وأصبح “محللا” أو “خصما”، وهذا يكسر قاعدة الحياد للمحاور. كان على الصحفي أن يطرح السؤال هكذا: “ألا تعتقدون أن المبررات القانونية والمساطر التي تتحدثون عنها قد تبدو للرأي العام مجرد غطاء لقرار سياسي بالهروب من مواجهة الناخبين في فاس؟”

مقاطعة المحاور للضيف، صادر حق الضيف في التفسير، وفرض استنتاجه الخاص كحقيقة. هذا النوع من المقاطعة “هدية مجانية” للعب دور الضحية، وهذا الذي وقع بسبب خطإ مهني.

بعد ذلك، وقع الصحفي في خطإ آخر، قال: “الأخلاق السياسية تفترض ان تترشحوا في فاس”.هذا الكلام ليس استحضارا للرأي الآخر. الصحفي هنا تخلى عن حياده المفترض وأصبح طرفا يوجه “اتهاما أخلاقيا ” مباشراً للضيف، مما أعطى للضيف فرصة ذهبية للرد بمنطق استهزائي: “أش دخل الأخلاق فهاد الشي؟” .كان يجب أن يصاغ السؤال؟ هكذا: “هناك انتقادات واسعة تعتبر أن مغادرتكم لفاس نحو تمارة هو نوع من أنواع التنصل من المسؤولية الأخلاقية حيث كنت عمدة هناك، كيف تردون؟”

وتترك للضيف أن يجيب ويكمل الإجابة ويجيب عن السؤال.

المشاهد كان يريد فهم كلام الضيف لقرار الترشح في تمارة، تحول اهتمامه نحو “الصراع الدائر بين المحاور والضيف”. المقاطعة هنا لم تخدم استخراج الحقيقة، بل خدمت زيادة منسوب “شد لي نقطع ليك” على حساب العمق المهني.

يقول الصحفي بحسب المعطيات اعطتكم الترشيحات المرتبة الثالثة. الضيف الأزمي استغل الضعف المهني للصحفي ليقوم بـ “تصحيح المعطيات”، موضحاً الفرق بين “الاقتراح” و”الاختيار”. هنا، ظهر سي يوسف كمن يروج لمعلومات غير مكتملة، مما منح سي إدريس فرصة للظهور بمظهر الشخص الأستاذ الذي يصحح أخطاء تلميذه. وبدأ بلهيسي ضعيفا جدا هنا. والسبب خطأ مهني لم ينقل المعلومات بأمانة، يعني نقلها منقوصة. هناك فرق بين الاقتراح والاختيار. كان يجب صياغة السؤال كالتالي: “تداولت بعض التقارير أو المعطيات أنكم حللتم في المرتبة الثالثة في تصويت القواعد بتمارة، ألا يعني هذا أن ترشيحكم جاء مفروضا من القيادة وليس رغبة من القواعد؟”.

ثم أضاف بلهيسي: “ثم أضاف بسرعة حتى القواعد ترى انكم لستم الأحق بالترشح في تمارة”.في أخلاقيات المهنة، يمنع الصحفي من التحدث باسم “كتلة بشرية” (القواعد) دون الاستناد إلى استطلاع رأي، بيان، أو عريضة موقعة. هنا، ظهر الصحفي كطرف سياسي وليس صحفيا. الصحفي يبرر أسلوبه بأنه يستحضر الرأي الآخر، ولكن علميا هناك فرق شاسع بين: استحضار الرأي الآخر كان ينبغي أن يكون هكذا: هناك أصوات ” وينبغي للصحفي أن يكون له وثائق تؤكد ذلك” داخل قواعدكم في تمارة عبرت عن امتعاضها من هذا الترشيح، هل لديكم تواصل مع هؤلاء؟” هذا استحضار مهني، لكن ما قام به الصحفي هو استفزاز مباشر. يقول:”القواعد ترى أنكم لستم الأحق”. كلمة “لستم الأحق” هي عبارة جارحة وليست معطى له دليل ملموس ومحسوس، واستخدامها من طرف المحاور يُعد خروجا عن اللياقة المهنية.

هنا اكتشف الضيف إدريس الأزمي الإدريسي أن من يحاوره ليس صحفيا اسمه يوسف بلهيسي بل ناطقا بجهة سياسية.

والمثير أن الصحفي يدافع بحماسة عن الحسن السعدي، قال إنه فاز بأكثر من 58 ألف صوت، تحمس أكثر أضاف له أكثر من ألف صوت، وهو فاز بحسب تقرير موقع المدار، أحده الصحفي خالد فاتحي، أن السعدي فاز ب 56,592 صوتاً.

هذا نموذج من حوار الصحفي يوسف بلهيسي والسياسي إدريس الأزمي. وسار اللقاء كل بنفس الروح التي بدأ بها. فلا الصحفي بقي وفيا لمهنته، ولا كان قويا كخصم سياسي.

كان يمكن محاصرة الأزمي بأسئلة دقيقة، وجعله متوترا طيلة الحلقة لجذب المشاهدين، بشرط الإعداد الجيد، والالتزام المهني والأخلاقي.

في النهاية لا يمكن لنا أن نتهم نوايا الصحفي فهو شخص محترم، ولا نحاسب إلا ممارسته المهنية. ونرجو له مسارا موفقا.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button