عبد الوهاب الدكالي في ذمة خالقه

عبد اللطيف زكي
وتتساقط حبات العقد الثمين واحدةً تلو الأخرى…. ليرحل اليوم طود شامخ مترجلا في صمت النبلاء وهيبة الكبار.
شاءت الظروف أن أشتغل معه، وأن أنسق إلى جانبه حفلًا على خشبة مسرح محمد الخامس بالرباط، دعمًا لأنشطة الجمعية الوطنية للمكفوفين بالمغرب يوم كنت أتشرف بتحمل مسؤولية كاتبها العام. وكانت تلك المناسبة – ولم تكن الوحيدة – فرصةً لأشهد عن قرب معدن الرجل كرمه وجوده، واستعداده اللامشروط للوقوف إلى جانب الفئات الهشة وذوي الاحتياجات الخاصة.
كما شهدت في الآن ذاته، على المكانة الاستثنائية التي كان يحظى بها بين كبار الفنانين؛ مطربات ومطربين موسيقيين وعازفين… جميعهم كانوا ينادونه بكل محبة وإجلال: “الموسيقار الهرم”. لم يكونوا يردّون له طلبا، وكان يكفي أن يدخل قاعة حتى يقف من فيها احترامًا وتقديرًا له. كان يكفيه اتصال واحد لتتحرك الجبال … لم يكن يطلب بل كان يزرع الرغبة في العطاء.
في أقل من ساعة، كان قد اتصل بأشهر الفنانين والفنانات، ودعاهم إلى المساهمة في ذلك الحفل، فلم يتردد أحد منهم. كما تواصل مع أبرز الأجواق الموسيقية آنذاك، فلبت الدعوة دون تردد. حتى إدارة التلفزة، التي لم تكن قد برمجت أي تغطية أو إعلان عن الحفل، ما إن تدخل حتى بادرت إلى مواكبته والتعريف به، إلى أن أسدل الستار على تلك الأمسية الإنسانية النبيلة.
ذاك “الهرم” الذي كانت تشرئب إليه الأعناق فوق المسارح، وتتسابق لمصافحته في الشارع، هو نفسه الذي كان يقتسم معنا الخبز والملح بتواضع يجعلك تنسى ألق النجومية وتتذكر طهر الإنسانية. وبكل ما في الذاكرة من دفء، أتذكر كيف كان يجلس معنا إلى مائدة الإفطار في بساطة نادرة، رفقة شقيقه… بلا حواجز، ولا مظاهر، ولا ادعاء.
ولم تكن تلك الواقعة الوحيدة. فقد رافقته أيضًا في مناسبة مماثلة، حين التقينا صدفةً، فاقترح علي بكل تلقائية أن أرافقه للمساهمة في إنجاح ذلك الموعد الإنساني. ولم يطلب الأستاذ يومًا مقابلا لما قدمه، ولا فعل ذلك الفنانون الذين دعاهم للمشاركة، بل كان فوق ذلك، يتدخل لدى بعض المسؤولين لتيسير شروط نجاح تلك المبادرات، مؤمنًا بأن للفن رسالةً تتجاوز الأضواء والتصفيق.
لم يكن فنانا وكفى؛ كان مدرسة في النبل. رحل اليوم بجسده، ويبقى أثره… الذين يشبهونه لا يغيبون تمامًا. يبقون في ذاكرة الناس نبلا، وفي وجدان الفن قيمةً، وفي القلوب أثرًا لا يبهت. فاليوم لا يُسدل الستار على فنان بل على زمن كامل من الرقي المغربي.
نم قرير العين، فقد تركت من الضوء ما يكفي لهزيمة النسيان وتركت في الذاكرة قطعةً مضيئةً من زمن الفن الجميل.



