Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

نور الحي.. سدرة الإيمان وسقيا الأرواح

بقلم : ديمة الشريف – السعودية
في تلافيف المدن التي لا تنام، وتحت عباءة الحداثة التي كادت أن تستهلك ملامح الوجوه، لا تزال هناك أحياءٌ فسيحة تخبئ في حاراتها سر السكينة.

هي أحياءٌ لا تُقاس مساحتها بالأمتار، بل بمدى اتساع الصدور في تلك البيوت المجاورة، حيث الجدران لا تفصل بين القلوب، والنوافذ لا تشرع إلا لتتبادل عطر المودة.

محراب الحي الصغير

في زاويةٍ يملؤها الوقار، يقبع مسجد الحي الصغير؛ مناراً يهتدي به السائرون في غبش الفجر وهجير الظهيرة. هو ليس مجرد بناءٍ من حجر، بل هو القلب النابض الذي يضخُّ السكينة في أوصال الحي.

إليه يهرع الرجال، كباراً وشباباً، ليؤدوا فروضهم كل يوم بيقينٍ يملأ الأركان طمأنينة. في ساحاته يذوب ضجيج الدنيا، وتصطف الأجساد في وحدةٍ إيمانية تعيد ترتيب الروح، وتجعل من “الجيران” جسداً واحداً إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الحي بالوصل والدعاء.

الأيادي البيضاء في مواسم الخير

وحين يحلُّ شهر رمضان المبارك، يلبس الحيُّ حلةً من الضياء لا تشبهها أنوار الأرض. هناك، في موسم الخير، تتجلى “الأيادي البيضاء”؛ تلك النفوس التي آثرت العطاء في الخفاء والعلن. تتحول الساحات والبيوت إلى خلايا نحلٍ لا تهدأ، تتسابق لتطعم الصائمين وتغسل عناء اليوم ببرد الكرم.
رمضان في هذا الحي ليس مجرد ساعاتٍ من الصيام، بل هو مدرسةٌ في الجود، حيث يمتزج صوت التراويح برائحة البذل، وتصبح مائدة الإفطار جسراً يعبر عليه الغني نحو الفقير، والقريب نحو الغريب، في مشهدٍ يجسد أسمى معاني التراحم.
اسقوا نباتكم لئلا تذبل الألفة
إن هذه الروابط الإنسانية التي وصفتها هي “نباتٌ بري رقيق”، لا يحيا إلا بالتعهد والرعاية.
وكما يسعى أهل الحي لتأمين معاشهم وتشييد بنيانهم، عليهم ألا ينسوا “سقيا الأرواح”.
فالمجتمعات التي تهمل سقاية قيمها بالجود والتراحم، تجفُّ فيها منابع السكينة وتصفرُّ أوراق المحبة فيها.
“اسقوا نباتكم” بكلمة طيبة تجبر الخواطر، وبزيارةٍ لمريضٍ طال ليله، وبابتسامةٍ صادقة في وجه عابر سبيل.
اجعلوا من أفعالكم غيثاً يهمي على قلوب جيرانكم، ليبقى الحي أخضر بالحب، زاهياً بنور الإيمان، وراسخاً كالأشجار المعمرة التي لا تهزها رياح المتغيرات ولا يعصف بها جفاء الزمان. فالحي الذي يُسقى بالوصل، يظلُّ حياً في ذاكرة الزمان، منارةً لكل تائهٍ يبحث عن السكن والأمان.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button