قمة بكين بين ترامب وشي.. رسائل تهدئة ومنافسة تخفي صراع القوتين العظميين

شهدت العاصمة الصينية بكين، الخميس، لقاءً رفيع المستوى جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنظيره الصيني شي جينبينغ، في قمة وُصفت بأنها من أبرز المحطات السياسية الدولية لسنة 2026، بالنظر إلى الملفات الثقيلة المطروحة على طاولة الحوار، وفي مقدمتها الحرب في أوكرانيا، وتوترات الشرق الأوسط، ومستقبل العلاقات الاقتصادية بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.
ورغم الطابع الدبلوماسي الرسمي للقمة، فإن تفاصيل اليوم الأول حملت العديد من الرسائل السياسية والرمزية التي عكست طبيعة العلاقة المعقدة بين واشنطن وبكين، بين الرغبة في التعاون والخشية من الصدام الاستراتيجي.
لغة الودّ من ترامب وتحفظ صيني واضح
وفي افتتاح المحادثات داخل قاعة الشعب الكبرى، حرص ترامب على إظهار دفء العلاقة مع الرئيس الصيني، مؤكدا أن “الصداقة” تجمعهما منذ سنوات، ومشيدا بقدرة الطرفين على تجاوز الخلافات السابقة.
غير أن شي جينبينغ بدا أكثر تحفظا في توصيف العلاقة، إذ تجنب استعمال كلمة “صديق”، واكتفى بالتأكيد على ضرورة أن تكون الصين والولايات المتحدة “شريكين لا خصمين”، في رسالة قرأها متابعون باعتبارها تعبيرا عن مقاربة صينية أكثر حذرا في التعامل مع الإدارة الأميركية.
مصافحة طويلة بدل “العناق الكبير”
ومن أبرز المشاهد التي أثارت تفاعلا واسعا، طريقة استقبال الرئيس الأميركي في بكين، بعدما كان ترامب قد صرح سابقا بأنه يتوقع “عناقا كبيرا ودافئا” من الرئيس الصيني.
لكن المشهد اقتصر على مصافحة رسمية طويلة دامت أكثر من عشر ثوانٍ، وسط حضور بروتوكولي صارم يعكس طبيعة الدبلوماسية الصينية المحافظة، في مقابل الأسلوب الاستعراضي المعروف عن ترامب.
“فخ ثوسيديديس” يعود إلى الواجهة
وخلال كلمته، استحضر شي جينبينغ مفهوم “فخ ثوسيديديس”، وهو مصطلح سياسي يشير إلى احتمال اندلاع مواجهة بين قوة صاعدة وأخرى مهيمنة، في إشارة واضحة إلى التنافس المتصاعد بين الصين والولايات المتحدة.
وأكد الرئيس الصيني أن التعاون بين البلدين يبقى الخيار الأفضل للطرفين، بينما ستؤدي المواجهة إلى الإضرار بالمصالح المشتركة، داعيا إلى بناء نموذج جديد للعلاقات الدولية قائم على التوازن والتفاهم.
ويعتبر هذا الطرح رسالة مباشرة إلى واشنطن بشأن مستقبل النظام العالمي والتحولات الجيوسياسية التي تشهدها الساحة الدولية.
توتر خلف الكواليس مع الصحافة الأميركية
القمة لم تخلُ أيضا من مشاهد التوتر، بعدما وقعت مشادات بين الصحافيين الأميركيين والطاقم الأمني الصيني خلال تغطية الفعاليات الرسمية.
وشهدت بعض المواقع التاريخية التي زارها الوفد الأميركي إجراءات أمنية مشددة، تسببت في تأخير دخول الإعلاميين الأميركيين، إضافة إلى خلافات مرتبطة بمرافقي جهاز الخدمة السرية الأميركية.
هذه الحوادث عكست حجم الحساسية الأمنية والتنظيمية التي ترافق الزيارات الرئاسية داخل الصين، خاصة عندما يتعلق الأمر بوفد أميركي رفيع المستوى.
السخرية تجتاح مواقع التواصل الصينية
وعلى منصات التواصل الاجتماعي الصينية، تحولت زيارة ترامب إلى مادة ساخرة واسعة الانتشار، خاصة عبر صور ومقاطع مولدة بالذكاء الاصطناعي أظهرت الرئيس الأميركي وهو يتناول الدجاج المقلي ضمن حملة “الخميس المجنون” الشهيرة في الصين.
كما حظي ظهور إيلون ماسك وجنسن هوانغ ضمن الوفد التجاري الأميركي باهتمام كبير، حيث انتشرت مقاطع مصورة لهما داخل قاعة الشعب الكبرى بشكل واسع على منصة “ويبو”.
تنافس استراتيجي تحت غطاء الدبلوماسية
ويرى مراقبون أن القمة الصينية الأميركية تعكس استمرار التنافس الاستراتيجي بين بكين وواشنطن، رغم محاولات الطرفين الحفاظ على قنوات الحوار المفتوحة.
فبين لغة التهدئة التي ظهرت في التصريحات الرسمية، والإشارات السياسية العميقة التي حملتها تفاصيل اللقاء، تبدو العلاقات بين القوتين العظميين مرشحة لمزيد من التعقيد خلال السنوات المقبلة، في ظل صراع النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري على قيادة العالم.



