ضريبة الاغتراب وتواصل البؤس مع أبناء الهجرة
بقلم : أحمد ميداوي- فرنسا
يدرك أبناء الجالية المغربية بفرنسا جيدا أن مكانهم ومكانتهم في الجهة الخلفية من الوطن. لا أحد ممن أسندت له مهمة التواصل معهم يريد تخليصهم من حالات الانحصار والتقوقع المفروضة عليهم في ديار الغربة. ولا أحد يكترث باحتمال أن تضيع لديهم شحنة الاعتزاز والتفاخر بانتمائهم. واجبهم أن يُخلصوا سنويا في واجب التحويلات المالية لإنعاش وتغذية اقتصاد بلادهم، وقدرهم في المقابل أن يعيشوا على هامش الوطن، لأن القائمين على شأنه من هواة التواصل والإعلام، لا يقلقهم في شيء أن تتقوى لديهم مشاعر التخاصم مع هويتهم ونشأتهم الاجتماعية.
تبدأ رحلة التهميش عند مشاهدتنا معا التلفزيون المغربي الموجه لأبناء المهجر. لا أشرطة وثائقية، ولا محاورات ثقافية خاصة بالهجرة، ولا برامج للمرأة والطفل المهاجرَين، ولا منتوج إعلامي بمواصفات ثلاثية الأهداف: الترفيه، التربية، والتعلم…
ومن هنا ندرك جميعا أن القائمين على الشأن الاغترابي، يصرون على أن يعيش المغترب خارج الزمن الثقافي والاجتماعي المغربي، وأن يظل أسير فكر أنتجه الآخر (البلد المضيف)، لحمل المهاجر المغربي على الانخراط بتلقائية في ثقافته ولو جزئيا، تمهيدا لعزله ومحو هويته كي ينساق شيئا فشيئا في كيان لا صلة له بانتمائه الإفريقي والعربي والإسلامي.
ولنقف معا والحالة هاته، على حالات الانحصار الإعلامي والثقافي المفروض على أبناء جاليتنا المغربية بعد أن ضاع منها كل أمل في التصالح مع ذاتها ومع نشأتها: لا وعاء ثقافي واحد يقوي جسور التواصل بينها، ويمدها بشحنات للمعرفة والاطلاع، في بلد تحتضن عاصمته باريس وحدها أكثر من ألف مركز ومؤسسة ثقافية أجنبية، تقيم نشاطات بعضها على مدار الساعة.
والمغرب من كل هذا لا يملك ولا محطة تلفزية أو إذاعية واحدة، تعنى بشؤون شباب الهجرة المغربية، وقد أصبح وعيه اليوم فارغا، وذاكرته الثقافية كثيرة الثغرات، تملأها برامج القنوات الأجنبية والمحطات الإذاعية العربية، وأهمها “إذاعة الشرق” (لبنان) “وراديو سولاي” (تونس)، و”راديو بور” (الجزائر)، وكلها تعنى عن قرب بمشاكل جاليتها، وفق منظور يكرس البعد الإشعاعي للثقافة، بينما الساهرون على الشأن الاغترابي المغربي يستلذون بالتباهي والتفاخر بمجلسهم الأعلى للهجرة الذي يعيش اليوم حالات من التصادم والنفور لن تزيد سوى في تقوية غربة المغتربين وتأصيلها.
وفي ظل تجاهل دور المنابر السمعية البصرية من حيث هي الدعامة المعرفية الأولى للكبار والصغار على حد سواء، لا يجد المغتربون من خيار مع فيض الشوق إلى الوطن وبحثهم اليومي عن أخباره، سوى تتبع البرامج التلفزيونية الوطنية التي تظل للأسف لصيقة بثنائية الطرب والطبخ لا أكثر.
والسؤالان المركزيان اللذان يجب طرحهما وتكرار طرحهما، هو لماذا القنوات التلفزيونية والإذاعية المغربية تُصر على تصدير الطبخ والطرب لأبناء الهجرة، دونما انشغال بمواد أخرى مستنبتة من ببيئتهم؟ ولماذا يغيّب المنتوج الإعلامي المغربي من برامجه المرأة والطفل والشاب، الذي نُجبرهم هكذا على التنكر لهويتهم، فيما الآخرون يتمسكون بها، ويصدرونها إلينا بعناوين براقة؟
الجواب الوحيد الذي يتبادر إلى الذهن، هو أن القائمين على الشأن الإعلامي والتعليمي المغربي، لا يهمهم أن تكون حصيلة تلامذة المهجر صفر، فيما يخص تاريخ وجغرافية وطنهم، علما أن هاتين المادتين، أي التاريخ والجغرافيا المغربيين، غائبان تماما عن المنظومة التعليمية الفرنسية. فالمغرب لا يُذكر في دروس التاريخ الفرنسي إلا مرة واحدة، حين يتعلق الأمر بالحقبة الاستعمارية التي جمعته بفرنسا، بينما لا يتعرف التلاميذ على أصول الحضارات العربية والإسلامية أو وجودها، إلا في درس واحد في التاريخ بمستوى الصف الخامس متوسط. والاستثناء الوحيد في ذكر أبناء الهجرة، هو تقديم المغاربة والعرب على أنهم السبب الرئيسي في شقاء فرنسا، وفي مشاكلها الاجتماعية.
أبناء الجالية المغربية يراودهم الشك اليوم، في أن يكون في السياسية الإعلامية المغربية مكان لهم، ويدركون جيدا أن القائمين على شؤونهم يسيرون اليوم بدون دليل إعلامي، بل ينظرون إلى المهاجرين على أنهم صداع زائد.
آفة القنوات التلفزيونية المغربية، أنها لم تتخلص من فخ الاستسهال، ولم تتمكن حتى اليوم من التقرب من الناس، والعمل على إشاعة المعرفة والفهم بينهم، من خلال برامج تتناول المواضيع المستنبتة من صميم بيئتهم. برامج تُسهم في صقل التجارب وتحريك عجلة التاريخ. والمهاجر في كل هذا، يتطلع إلى يوم ينعم عليه الله بمختصين أكفاء، يفهمون ثلاثية الرسالة الإعلامية: الترفيه، المعرفة والتثقيف.



