أخبارالرئيسيةغير مصنفمجتمع

حين تتحول الهوية إلى سلاح: قراءة نقدية في خطاب الإقصاء باسم الصحراء

في كل مرة يثار فيها الحديث عن الهوية الصحراوية الحسانية، يخرج من بين الصفوف من يحاول اختزال هذا الموروث العريق في خطاب ضيق، قائم على التفاضل العرقي، والتصنيف القبلي، وتقسيم الناس بين “أصيل” و“دخيل”، وبين “نحن” و“هم”. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: حين تتحول الهوية من جسر للتعارف إلى سلاح للإقصاء.

الهوية الحسانية الصحراوية ليست ملكا لفرد، ولا لقبيلة، ولا لتيار سياسي. إنها تراكم حضاري صنعته قرون من التفاعل الإنساني، ومن الامتزاج الثقافي، ومن الحياة المشتركة فوق أرض عرفت التجارة، والترحال، والعلم، والمقاومة، والكرم. لذلك فإن أي محاولة لتقديمها كهوية “نقية” مغلقة، أو ككيان فوق الآخرين، ليست سوى تزوير للتاريخ.

المفارقة أن بعض الخطابات التي تزعم الدفاع عن الصحراء، تسيء إليها أكثر مما تخدمها. فهي تستحضر لغة متجاوزة تقوم على اللون، والنسب، والانتماء القبلي، وكأن المجتمع لم يتغير، وكأن العالم ما زال يقاس بسلالات الدم لا بقيمة الإنسان وعطائه. وهذا منطق تجاوزه الزمن، ولم يعد له مكان في دولة حديثة تؤمن بالمواطنة والكرامة والمساواة.

الصحراء المغربية كانت دائما فضاء مفتوحا، لا منطقة مغلقة. من مرّ بها ترك أثرا، ومن عاش فيها صار جزءا من نسيجها. لذلك فإن قوة الصحراء لم تكن يوما في الانغلاق، بل في قدرتها على استيعاب التنوع وصهره داخل ثقافة متماسكة و واثقة من نفسها.

إن أخطر ما يواجه أي هوية هو من يدعي حمايتها عبر نشر الكراهية باسمها. فالهوية القوية لا تحتاج إلى احتقار الآخرين كي تثبت وجودها، ولا إلى شيطنة المختلف كي تشعر بالأمان. وحدها الهويات الهشة تبحث عن عدو دائم لتبرير نفسها.

اليوم، نحن بحاجة إلى خطاب جديد حول الصحراء: خطاب يعتز بالموروث الحساني، ويحتفي بالإنسان الصحراوي، لكنه في الوقت نفسه يرفض العنصرية، ويواجه النزعات القبلية، ويؤمن بأن الانتماء الحقيقي هو خدمة الوطن لا ادعاء التفوق على أبنائه.

الصحراء أكبر من أن تختزل في خطاب متشنج، وأسمى من أن تستعمل مطية لأوهام التفوق. ومن يحب الصحراء حقا، يحميها من المتاجرين باسمها قبل أن يحميها من خصومها.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button