
✍️ذ.زهير أصدور
مع اقتراب دخول سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية حيز التنفيذ ابتداء من فاتح يونيو 2026، يكون المغرب على موعد مع واحدة من أهم الإصلاحات المرتبطة بالأمن التعاقدي والعقاري خلال السنوات الأخيرة، في خطوة تروم الحد من فوضى الوكالات غير المضبوطة، ومحاصرة التزوير، وتعزيز الثقة في المعاملات المرتبطة بالعقار.
هذا المستجد يجد أساسه في القانون رقم 31.18 المعدل والمتمم لـظهير الالتزامات والعقود، والذي أحدث لأول مرة “سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية”، غير أن دخوله حيز التطبيق ظل معلقا لسنوات إلى حين استكمال النصوص التنظيمية والتقنية الضرورية.
وبعد صدور المرسوم رقم 2.23.101 سنة 2024، ثم قرار وزير العدل المحدد للنماذج المعتمدة سنة 2025، جاء إعلان وزير العدل عن تحديد فاتح يونيو 2026 موعدا للشروع الفعلي في العمل بهذا السجل على مستوى مختلف المحاكم الابتدائية بالمملكة.
ولا يتعلق الأمر بإجراء إداري بسيط، بل بتحول عميق في طريقة تدبير الوكالات المرتبطة بالعقار. فالمعاملات العقارية بالمغرب ظلت لسنوات طويلة تعتمد بشكل واسع على الوكالات، خاصة في حالات بيع العقارات أو شرائها أو رهنها أو تفويتها من طرف أشخاص يوجدون خارج أرض الوطن أو يتعذر عليهم الحضور الشخصي.
غير أن هذا الواقع كشف أيضا عن اختلالات خطيرة، أبرزها استعمال وكالات مزورة أو منتهية الصلاحية أو ملغاة، وما ترتب عن ذلك من نزاعات قضائية معقدة واعتداءات على الملكية العقارية.
ومن هنا تبرز أهمية السجل الجديد، الذي سيشكل قاعدة بيانات مركزية تمكن من ضبط وتتبع مختلف الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية، والتحقق من صحتها وسريانها بشكل إلكتروني ومنظم، بما يضمن قدرا أكبر من الشفافية والأمن القانوني.
عمليا، سيصبح من الممكن للمحاكم والمحافظات العقارية والمهنيين المعنيين، من موثقين وعدول ومحامين، التأكد من وجود الوكالة وتاريخها ووضعيتها القانونية، وما إذا كانت ما تزال سارية أو تم إلغاؤها. وهو ما من شأنه أن يقلص بشكل كبير من مخاطر التلاعب والتزوير التي كانت تستغل أحيانا ثغرات المساطر التقليدية.
ويأتي هذا الورش أيضا في سياق أوسع مرتبط برقمنة العدالة والإدارة العمومية، وتحديث الخدمات المرتبطة بالعقار والاستثمار، خصوصا في ظل التوجه المتزايد نحو تبادل المعطيات إلكترونيا بين المؤسسات.
كما يعكس وعيا متزايدا بأهمية الأمن التعاقدي باعتباره أحد الشروط الأساسية لتحسين مناخ الأعمال وجلب الاستثمار.غير أن نجاح هذا الإصلاح سيظل رهينا بمدى جاهزية البنية التقنية والإدارية للمحاكم، وقدرة مختلف المتدخلين على التكيف مع النظام الجديد.
فكل إصلاح رقمي يطرح بدوره تحديات مرتبطة بالتكوين، وحماية المعطيات الشخصية، وضمان الولوج السلس إلى الخدمات، خاصة بالنسبة للمواطنين المقيمين بالخارج الذين يعتمدون بشكل كبير على نظام الوكالات في تدبير ممتلكاتهم العقارية بالمغرب.
كما أن المرحلة المقبلة ستكشف عن الأثر الحقيقي لهذا السجل على مستوى المنازعات العقارية، ومدى مساهمته في الحد من الجرائم المرتبطة بالاستيلاء على عقارات الغير، وهي الظاهرة التي أثارت خلال السنوات الماضية نقاشا واسعا داخل الأوساط القضائية والحقوقية والسياسية.
إن دخول سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية حيز التنفيذ لا يمثل فقط تحديثا تقنيا لمساطر التوثيق، بل يعبر عن تحول في فلسفة تدبير المعاملات العقارية نفسها، عبر الانتقال من منطق الوثيقة الورقية المعزولة إلى منطق التتبع الرقمي والرقابة المؤسساتية، بما يعزز الثقة ويحمي الحقوق ويكرس مزيدا من الأمن القانوني في مجال يعد من أكثر المجالات حساسية داخل المجتمع والاقتصاد المغربيين.



