
بقلم القبطان عبدالله دكدوك
فعلا…
لقد جرحت مدينة مولاي إدريس زرهون في عمق ذاكرتها، لا في حجارتها فقط،
وجراح المدن العتيقة لا تندمل بالترميم العابر، بل يداويها أهل الوفاء الذين تربوا على خبز المحبة، وعلى هيبة الزوايا، وعلى دفء الجيران، وعلى معنى الانتماء الذي لا يشترى ولا يباع.
زرهون ليست مجرد موقع جغرافي عابر،
ولا اسما يكتب في الخرائط ثم ينسى،
زرهون ذاكرة أمة، ونبض حضارة، ومرآة لزمن كانت فيه القيم أكبر من المصالح، وكانت الروح تسمو على المظاهر.
هي المدينة التي حفظت عبق التاريخ بين أزقتها،
وتنفست التصوف الأصيل في زواياها،
وتعلم أهلها معنى التآخي قبل أن يصبح شعارا يرفع،
فكان الجار فيها سندا، وكانت المجالس مدارس للوقار والحكمة والحياء.
لكن الوجع اليوم أكبر…
لأن ما يهدد المدن العريقة ليس فقط الإهمال العمراني،
بل ذلك التآكل البطيء الذي يصيب روحها وهويتها،
حين تتحول بعض الفضاءات إلى مواسم للضجيج الفارغ،
وحين تختزل مدينة شامخة في رقصات عابرة وصور استهلاكية لا تشبه عمقها الحضاري ولا مقامها الرمزي.
زرهون ليست رقصة عابرة تستهلك في ليل المناسبات،
ولا صورة فولكلورية تعرض لإرضاء العابرين،
زرهون روح…
وحين تختزل الأرواح في الفرجة الرخيصة، يصبح الوجع أكبر من الكلام.
إن أخطر ما يصيب المدن ليس الفقر ولا النسيان،
بل أن يفقد بعض أبنائها الغيرة عليها،
فيصمتون حين تشوه ذاكرتها،
ويصفقون حين يختزل تاريخها في مشاهد دخيلة لا تشبه عمقها الروحي والإنساني،
وكأن الأصالة أصبحت عبئا، وكأن الدفاع عن الهوية صار تهمة.
وما يؤلم حقا،
أن ترى مدينة أنجبت العلماء والأولياء والمبدعين،
مدينة مر من ترابها رجال علم وفكر وتصوف،
تغتال على مهل،
بين من يبيع صورتها، ومن يستهلكها دون وعي، ومن يعتقد أن الحداثة تعني اقتلاع الجذور والتبرؤ من الذاكرة.
إن المدن لا تموت حين تهرم مبانيها،
بل تموت حين يفقد أهلها الإحساس بقداستها الرمزية،
وحين تصبح المصالح الضيقة أقوى من حب المكان،
وحين يتحول التاريخ إلى مجرد ديكور للاستهلاك العابر.
لكن زرهون، رغم كل شيء، تأبى إلا أن تبقى شامخة،
لأن في ترابها ذاكرة لا تشيخ،
وفي هوائها عبق الأولياء والعلماء،
وفي ناسها الأصليين نخوة لا تنطفئ مهما اشتد الزيف.
ستظل زرهون أكبر من كل محاولات الاختزال،
وأعمق من كل صور التشويه،
لأن المدن الأصيلة قد تتعب… لكنها لا تموت.
وسيظل أهل الغيرة يقولون بصوت واضح:
لسنا ضد الفرح،
ولسنا ضد الفن،
ولسنا ضد الحياة،
لكننا ضد تحويل المدينة إلى مسرح للابتذال،
وضد كل ما يمس روحها الصوفية الأصيلة، وعاداتها النبيلة، وحياءها الثقافي الذي شكل عبر الزمن سر جمالها وهيبتها.
فالمدن العريقة لا تحتاج لمن يستهلكها،
بل تحتاج لمن يحرس ذاكرتها،
ويحفظ روحها،
ويورث أبناءها معنى الانتماء الحقيقي…
حتى لا نصحو ذات يوم على مدينة ما زالت قائمة بالحجارة، لكنها غائبة بالروح.



