في محراب العصامية.. الراتب حين يكون للمرأة سنداً والعمل حين يغدو وطناً

بقلم : ديمة الشريف – السعودية
تتبدل ملامح الحياة وتتقلب أمزجة البشر، وفي خضم هذه الأمواج المتلاطمة تبرز حقيقة واحدة لا تزعزعها ريح: إن حاجة الإنسان إلى جدار صلب يستند إليه هي حاجة غريزية، ولا جدار أقوى للمرأة من كينونتها المستقلة، وعملها الذي يصنع كرامتها، وراتبها الذي يخط لها حدوداً من الاحترام والاكتفاء.
إن العمل للمرأة ليس مجرد وظيفة تؤدى وساعات تقضى خلف المكاتب، بل هو رحلة تحرر وعصامية؛ رحلة تبدأ من الذات وتنتهي بها. حين تسعى المرأة لتأمين دخلها الخاص، فهي لا تبحث عن مجرد أرقام تُضاف إلى حسابها البنكي، بل تبحث عن صوتها الخاص، وعن مكانها تحت الشمس، وعن أمان يحميها من تقلبات الزمن وغدر الظروف الطارئة التي قد تقرع باب الإنسان دون استئذان.
في قلب كل بيت، تصنع الفتاة الموظفة قصة تضحية صامتة لا ترويها السطور ولا تكشفها الأوراق. قد يظن البعض أن الراتب هو ترف شخصي، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. الفتاة الموظفة غدت في زماننا هذا عماداً لأسرتها، تمد يد العون لوالديها، وتخفف عن كاهل إخوتها، وتحمل من المسؤوليات والالتزامات ما لا يراه أحد ولا يشعر به بشر. إنها تمارس العطاء بحب وصمت، لتقف حائلاً بين أهلها وبين نوائب الدهر.
لذلك، فإن من قصر النظر، ومن الجور المحض، أن يأتي آتٍ ليحاسب هذه الفتاة على طريقة إنفاقها، أو يختزل قيمتها الإنسانية ووجودها العظيم في ورقة تسمى “كشف راتب” أو “فاتورة مصروف”. الإنسان أكبر بكثير من ماله، والمرأة المعطاءة أرفع من أن توضع في ميزان التقييم المادي؛ فخلف كل درهم تنفقه قصة ود، وخلف كل ادخار نظرة حكيمة للمستقبل، وخلف كل هدايا تقدمها لإخوتها قلب ينبض بالأمومة والرعاية.
يا كل فتاة تسير في دروب العلم والعمل: اسندي نفسكِ بنفسكِ، ولا تنتظري من الأيام أن تمنحكِ الأمان على طبق من ذهب. اشتغلي، وتعلّمي، وتطوّري؛ فكل مهارة جديدة تكتسبينها اليوم هي لبنة جديدة في جدار حصنكِ المنيع. وفي غمرة كفاحكِ، لا تنسي نفسكِ؛ كافئي تلك الروح الصابرة بفنجان قهوة دافئ، أو كتاب يغذي عقلكِ، أو هدية تصنعين بها بهجتكِ الخاصة. انشري الفرح حولكِ، واسعدي إخوتكِ، وكوني للأخت الكبرى بمثابة الأم الحانية التي تجمع القلوب.
إن الاستقلال المالي للمرأة هو حريتها في أن تختار، وقدرتها على أن تعطي دون منّة، وقوتها في أن تقف شامخة مهما عصفت بها الحياة. إن راتب المرأة هو سندها، وعملها هو سلاحها، وعطاؤها هو مجدها الباقي.



