بركان تحتضن المؤتمر الدولي الثالث للدبلوماسية الرياضية.. دعوات لتوظيف القوة الناعمة المغربية استعداداً لمونديال 2030

تحولت مدينة بركان على مدى يومين 5 /6 يونيو 2026 إلى فضاء أكاديمي وإعلامي دولي لمناقشة رهانات الدبلوماسية الرياضية وآفاق توظيفها في خدمة التنمية والترويج لصورة المغرب، وذلك من خلال فعاليات المؤتمر الدولي الثالث للدبلوماسية الرياضية الذي نظمه المركز الإفريقي المتوسطي للتفكير والدراسات القانونية والسوسيو-اقتصادية، بمشاركة باحثين وأكاديميين وإعلاميين وخبراء من المغرب وعدد من الدول العربية والأوروبية.
وأكد الدكتور وديع الهامل، رئيس المركز الإفريقي المتوسطي للتفكير والدراسات القانونية والسوسيو-اقتصادية ورئيس اللجنة المنظمة للمؤتمر، أن هذه النسخة جاءت امتداداً لنجاح النسختين السابقتين، موضحاً أن اختيار موضوع الدبلوماسية الرياضية فرضته التحولات التي يشهدها المغرب والمكانة التي أصبحت تحتلها الرياضة باعتبارها قوة ناعمة مؤثرة في العلاقات الدولية.
وأشار الهامل إلى أن المؤتمر عرف مشاركة أكثر من 16 دولة من إفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا، وشكل فضاءً لتلاقي تخصصات متعددة شملت القانون والاقتصاد والإعلام والتاريخ وعلم الاجتماع والعلوم الرياضية، مضيفاً أن المشاركين أجمعوا على أهمية تنظيم نسخة رابعة للمؤتمر، مع التفكير في احتضانها خارج المغرب لتعزيز الإشعاع الدولي للمبادرة.
الإعلام في قلب الدبلوماسية الرياضية
وشكل الإعلام أحد أبرز المحاور التي استأثرت باهتمام المتدخلين، حيث شدد عبد السلام العزوزي، مدير أكاديمية المستقبل للإعلام والتواصل ومدير جريدة الحدث الإفريقي، على أن القوة الناعمة لا يمكن أن تحقق أهدافها دون إعلام قوي ومؤثر قادر على تسويق الصورة الحقيقية للدول.
وأوضح أن المغرب نجح في تقديم نموذج متميز خلال التظاهرات الرياضية الكبرى، غير أن المرحلة المقبلة تتطلب مزيداً من الاستثمار في الإعلام الرياضي والرقمي، مقترحاً إحداث أكاديمية متخصصة في الدبلوماسية الرياضية لتكوين الإعلاميين وتأهيلهم لمواكبة الاستحقاقات الدولية المقبلة وعلى رأسها كأس العالم 2030.
وفي الاتجاه نفسه، أكد الدكتور هشام المكي، أستاذ باحث ومدير كرسي الألكسو للاتصال والأخلاقيات والمعرفة والمجتمع، أن المؤتمر يسعى إلى تقديم رؤى علمية ومقترحات عملية تضمن نجاح تنظيم المغرب لكأس العالم 2030 وتحويل هذا الحدث إلى رافعة استراتيجية واقتصادية وإعلامية تعزز الحضور الإقليمي والدولي للمملكة.
أما الباحث والصحفي حسن قديم، فقد دعا إلى ترسيخ أخلاقيات المهنة والقطع مع صحافة الإثارة، معتبراً أن المهنية الإعلامية الحقيقية تقوم على احترام الحقوق الفردية وحقوق الصورة والالتزام بالمعايير الأخلاقية.
من جهته، شدد الإعلامي محمد خجلي على ضرورة تطوير الإعلام الرياضي المغربي وتأهيل موارده البشرية عبر التكوين المستمر والورشات المتخصصة، حتى يواكب حجم الاستحقاقات الرياضية التي تنتظر المملكة.
الرياضة قوة ناعمة وجسر للتواصل بين الشعوب
وأجمع عدد من المتدخلين على أن الرياضة أصبحت اليوم وسيلة فعالة لنشر قيم السلام والتعايش والتقارب بين الشعوب.
وفي هذا الإطار، اعتبر سعود بن عبد الله القحطاني، مدير إذاعة “هنا العزم” التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون السعودية، أن اختيار موضوع الدبلوماسية الرياضية يعكس وعياً استراتيجياً بأهمية الرياضة كأداة للتأثير السياسي والثقافي والاقتصادي، مؤكداً أن المغرب بات نموذجاً عربياً في استثمار الرياضة كقوة ناعمة.
كما عبر عدد من الإعلاميين العرب المشاركين عن دعمهم لهذه المبادرة العلمية، مؤكدين أهمية تعزيز التعاون العربي في مجالات الإعلام والبحث العلمي المرتبط بالدبلوماسية الرياضية.
ومن فلسطين، أكد الإعلامي سمير أبو شمالة أن الدبلوماسية الرياضية أصبحت من أهم مرتكزات القوة الناعمة في العالم المعاصر، داعية إلى استثمارها في تعزيز الهوية الوطنية وتسويق الصورة الإيجابية للمغرب عالمياً.
أما الدكتور عبد الملك الدناني من جامعة ليوا بأبوظبي، فقد استعرض نتائج دراسة حول دور الإعلام الرقمي في تعزيز الدبلوماسية الرياضية، مشيراً إلى أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت فاعلاً أساسياً في تحسين الصورة الذهنية للدول والتعريف بمنجزاتها الرياضية.
وفي السياق ذاته، أبرز الأستاذ حفيظ حافظ ، أستاذ الإعلام الرقمي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، أن الدبلوماسية الرياضية المغربية تندرج ضمن استراتيجية متكاملة تعتمد الرياضة كأداة لنشر قيم السلام والتعاون بين الشعوب.
الاستثمار الرياضي والتنمية المستدامة
وعلى المستوى الاقتصادي، تناول الباحث محمد البشلاوي موضوع التحفيزات الضريبية الموجهة للشركات الرياضية، موضحاً أن هذه الإجراءات الجديدة من شأنها تشجيع الاستثمار الرياضي وتحفيز الجمعيات الرياضية على التحول إلى شركات رياضية قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل.
كما دعا خالد بكداش، رئيس المنظمة الدولية للصحافة والإعلام بهولندا، إلى الاستفادة من التجارب الأوروبية في تحويل المنشآت الرياضية إلى منشآت تنموية وبيئية مستدامة، بما يضمن تقليص النفقات وتحقيق مردودية اقتصادية طويلة الأمد.
وفي السياق نفسه، أكد عدد من المتدخلين أن الاستثمار في البنيات التحتية الرياضية يجب أن يترافق مع استثمارات في النقل والسياحة والخدمات، وهو ما شددت عليه الإعلامية الأردنية عالية إدريس من خلال عرضها حول تأهيل المنشآت الرياضية والبنيات المحيطة بها وفق المعايير الدولية.
الترويج لمؤهلات بني يزناسن وتافوغالت
ولم يقتصر المؤتمر على الجلسات العلمية، بل تضمن زيارات ميدانية لمنطقة بني يزناسن وجمعية دار العائلة بتافوغالت، حيث اطلع المشاركون على المؤهلات الطبيعية والسياحية والثقافية التي تزخر بها المنطقة.
وفي هذا الإطار، أشاد الدكتور وديع الهامل بالمبادرة التي قام بها محمد القادري رئيس جمعية دار العائلة، معتبراً أن استضافة الوفود الدولية والأطفال المستفيدين من خدمات الجمعية تجسد المعنى الحقيقي للدبلوماسية الناعمة المغربية القائمة على الكرم والتضامن والانفتاح.
كما عبر عدد من الضيوف الأجانب عن إعجابهم الكبير بحفاوة الاستقبال وثراء الموروث الثقافي والطبيعي لمنطقة بني يزناسن، مؤكدين أن مثل هذه المبادرات تساهم في تصحيح الصور النمطية وتعزيز التقارب بين الشعوب.
توصيات استعداداً لمونديال 2030
وخلص المشاركون إلى مجموعة من التوصيات أبرزها تعزيز التكوين في مجالات الإعلام الرياضي والدبلوماسية الرياضية، وإحداث برامج أكاديمية متخصصة، وتطوير الاستثمار في البنيات التحتية الرياضية، واستثمار الزخم الذي حققته المملكة في المجال الرياضي من أجل الترويج للسياحة والثقافة والاقتصاد المغربي.
كما أكد المتدخلون أن تنظيم كأس العالم 2030 يشكل فرصة تاريخية لتعزيز مكانة المغرب دولياً، داعين إلى تعبئة مختلف الفاعلين من جامعات وإعلام ومؤسسات رياضية واقتصادية من أجل إنجاح هذا الورش الوطني الكبير وتحويله إلى محطة جديدة لترسيخ الحضور المغربي على الساحة الدولية.
واختتم المؤتمر أشغاله وسط إجماع واسع على أن الرياضة لم تعد مجرد منافسة داخل الملاعب، بل أصبحت أداة استراتيجية للدبلوماسية والتنمية وصناعة الصورة، وقوة ناعمة قادرة على بناء جسور الحوار والتعاون بين الشعوب والأمم.



