Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

مات إدغار موران ومعه سوسيولوجيا الأخلاق


بقلم الكاتب الصحافي عبدالله العبادي
المختص في الشؤون العربية والإفريقية

“أنا متفائل-متشائم، أمل على أرضية من اليأس”، هكذا تحدث إدغار موران (1921 – 2026) قبل عشرين سنة، ملخصا علاقته بهذا العالم المتناقض. لكن تأمل موران للكون توقف بعد مسيرة قرن من العطاء، ترك فراغا كبيرا في الحقل الفكري والسوسيولوجي خصوصا، لكن وفاءه للإنسان والأخلاق ستظل ترافقنا، فقد آمن دوما بأن الفكر إذا انفصل عن هموم ومحن البشر صار ترفا.
عمل بالصحافة قبل العمل بالمركز الوطني للبحوث، لكن طرده من الحزب الشيوعي الفرنسي سنة 1951، غير الكثير من المفاهيم لدى الباحث الشاب، كانت خيبة كبيرة بالنسبة إليه، كما ولد لديه حذر دائم من العقائد المغلقة وآمن كثيرا بضرورة النقد الذاتي المستمر للفكرة والإيديولوجيا.
مارس السوسيولوجيا الاستباقية من أجل إصلاح الإنسان، وتعقب أخطاء البشر من أجل تفادي الانحدار نحو الهاوية، توقف كثيرا عند مفهوم الهمجية في حديثه عن الحداثة، معتبرا النزعة الغربية مليئة بالعنف نتيجة نزع الصفة الإنسانية عن مشروعها الحضاري. في فكره ربط هذه الأشكال المختلفة من الهمجية مع بعضها البعض ومع الاتجاهات التاريخية الأوسع من الاستعمار إلى الهيمنة الحالية.
دافع عن ربط المعارف عوض تفتيتها، وخصص للموضوع ستة مجلدات، عبر في أخرها الذي حمل عنوان الأخلاق، عن ضرورة فك الحصار المفروض بين التخصصات، محاولا إيجاد طريقة للجمع بين أركان المعرفة. وهو ما عبر عنه في مجلده الأخير حين قال “كلما ازداد ما نعرفه عن الإنسان، قل ما نفهمه. إن الانقسامات بين التخصصات تفتته، وتفرغه من الحياة والتعقيد”.
ظل يطرح سؤالا مستمرا، على عالم يسرع في التفتيت، كيف نفكر في التعقيد بدل أن نهرب منه إلى البساطة القاتلة؟ في كتابه دروس قرن من الحياة، الذي صدر بمناسبة مئوية موران، عرف نفسه أولا بكلمة واحدة حين سئل من أنا؟ أجاب ب”إنسان”. ثم أضاف: أنا كلٌّ بالنسبة لنفسي، وأنا في الوقت نفسه لا شيء تقريباً بالنسبة للكل.
عاش ومات موران في سياق عالمي ملأته الحروب والصراعات والظواهر المستفزة للفكر النقدي، عمل بجد من أجل تفكيك تعقد الظاهرة الإنسانية وقراءتها، اعتمادا على مختلف التخصصات العلمية المتاحة، جمع بين الفلسفة والسوسيولوجيا والأنثربولوجيا والعلوم الدقيقة، محاولا فك ألغاز الوجود البشري البالغ التعقيد والتركيب.
لكن ظل سؤال الأخلاق يشغل بال المفكر، ويطغى على انشغالاته وتساؤلاته اليومية. تطلع إلى قيم كونية مبنية على التسامح والاعتراف بالاختلاف والتنوع الثقافي في عالم أكثر إنسانية مما هو عليه. ومن أجل الأخلاق اهتم بالتربية ولم يخفي امتعاضه من طرائق التربية المعاصرة التي فاقمت أزمات الإنسان بمناهجها، والتي لم تستطع أن تقدم خطابًا عقلانيًا ينتصر للإنسان أينما كان؛ فسقطت بذلك في امتحانها الأخلاقي.
لقد قدم موران طوال مسيرته، مقترحات وبدائل معرفية لإصلاح التعليم الذي يجب أن تتواصل فيه العلوم، لا أن تتباعد. ويقترح لتنفيذ مشروعه، من أجل أخلاق للجنس البشري أو أخلاق كونية، مشروعا بطلب من اليونيسكو، تضمن المبادئ الأساسية التي لا يمكن أن تستغني عنها أي منظومة تربوية مستقبلية، مؤكدًا ضرورة مراعاة خصوصيات المجتمعات وثقافاتها وقواعدها الأخلاقية للحفاظ على إنسانيتنا الكونية.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button