الوزير حارس بوابة..والصحافة ضيفاً مرفوضا

في ظرف نحن أحوج ما يكون إلى صحافة قوية حرة متمكنة من آليات اشتغالها تنويرا للرأي العام ودفاعا عن المصالح العليا للبلاد وإبراز الجهد التنموي الكبير الذي تقوده المملكة من خلال تسويق صورة المغرب الناهض المستشرف للمستقبل بثقة وبحكمة في ظل دولة المؤسسات وفي ظل هامش كبير لحرية الرأي والتعبير .
في ظل هذا الزمن الذي يُفترض أن تكون فيه الديمقراطية شعاراً نرفعه في كل محفل دولي، وحرية الصحافة حقاً مكتسباً نتباهى به أمام المنظمات الدولية، ءوأن تكون لدينا مقاولات إعلامية قوية، يفاجئنا المهدي بنسعيد، وزير قطاع التواصل، بدرس عملي في فن “الإقصاء الناعم” وتقنيات “التهميش الأنيق”.
ترك الوزير الحبل على الغارب وأطلق تسريبات شتت بوصلة أرباب المقاولات، انتظر حتى اللحظة الأخيرة، ثم أطلق شروطاً تعجيزية على المقاولات الصحفية الصغرى، تلك التي تكافح يومياً لتبقى على قيد الحياة في سوق إعلامي يلتهم الضعفاء. وعندما يحتج أصحابها، تجاهلهم ببرود دبلوماسي محترف.
يمكن القول أن الشروط التعجيزية ليست جديدة في قاموس بعض وزراء هذه الحكومة، لكن أن تُفرض في آخر لحظة، فهذا فن يستحق التصفيق. كأن الوزارة تقول لهم: “نعم، نحن نؤمن بالتعددية الإعلامية… لكن ليس معكم أنتم تحديداً”. إنما مع المقاولات الصحفية الكبرى التي يرحب بها وقد التهمت ميزانية الدعم التي انتفخت خلال كوفيد 19، حيث بلغت 34 مليار سنتيم، بعدما كانت فقط خمسة ملايير ونصف قبل كوفيد 19، واستمرت على نفس المنوال تمتص بزولة الميزانية بشراهة.
هكذا بسطت وزارة قطاع التواصل السجادة الحمراء أمام المقاولات الكبرى على قلتها. أما المقاولات الصغرى ففرضت عليها في الدقيقة 90 شروطا عرقوبية تعجيزية، فرضت شروطا.. وشروطا للشروط… وملاحق للشروط… وتعديلات في اللحظة الأخيرة على الشروط.
يوم الأربعاء، ثم الخميس، وقف أرباب المقاولات الصحفية الصغرى أمام قطاع التواصل بالرباط، مطالبين بحقهم في العمل، في التنفس، في الوجود من خلال توفير شروط العمل كباقي زملائهم في التغطية الصحية وتحسين الوضعية الاجتماعية للصحفيين، وذلك من خلال تأدية واجبات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي و الضرائب و تحسين الأجور.
لكن يبدو أن الوزارة كانت مشغولة. بقضايا أخرى تراها أكبر من مطالب هؤلاء المقاولات الصحراوية التي قطعب مئات الكيلومترات من العيون لتحتج دفاعا عن حقها في الرباط
المشكلة الحقيقية لهذه المقاولات أنها صغيرة. لو كانت كبيرة، لكان الوضع مختلفاً. لو كانت تملك علاقات في الأروقة، لما احتاجت للوقوف تحت الشمس أمام الوزارة. لو كانت تملك رأسمالا سياسياً، لما فُرضت عليها شروط تعجيزية.
لكنها صغيرة، فقيرة، تعتمد على شغف صحفيين يؤمنون بأن الكلمة لا تزال تملك قيمة. وهذا، في نظر البعض، ذنب لا يُغتفر.
السيد بنسعيد، بكل احترام، مهمتك ليست انتقاء من يستحق أن يكون صحفياً ومن لا يستحق. مهمتك تسهيل عمل الجميع، دعم التعددية، حماية حرية التعبير. لكن يبدو أن هناك خلطاً في المفاهيم.
يُجبر أصحاب المقاولات على الوقوف أمام الوزارة يومين متتاليين دون أن يُسمع صوتهم، هذا ليس تدبيراً، بل تجاهل.
أما المقاولات الصحفية الصغرى، فليعلموا أن مكانهم ليس على طاولة القرار، بل أمام باب الوزارة، واقفين، منتظرين، محتجين… وربما، في يوم ما، سيُسمع صوتهم.
أو ربما لا.



