Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

الثغور الشمالية بين تعقيدات القانون وحسابات السياسة


ألمانيا: منير لكماني

كلما تجددت محاولات العبور الجماعي نحو الثغور الشمالية، عاد إلى الواجهة نقاش يتجاوز التدبير الأمني المباشر للحدود، ليمتد إلى أسئلة قانونية وسياسية شديدة الحساسية. فالمشهد لا يتعلق فقط بشباب يحاولون الوصول إلى فضاء يخضع للإدارة الإسبانية، بل يثير أيضا إشكالا أعمق بشأن التوصيف الرسمي لهذه التحركات ومدى انسجامه مع الموقف المغربي من الوضع القانوني لمدينتي سبتة ومليلية.

ينطلق هذا الإشكال من واقع معروف في المناطق الشمالية، حيث اعتاد عدد من سكان مدينة تطوان والمناطق المجاورة، خلال فترات معينة، الانتقال إلى سبتة وفق ترتيبات خاصة مرتبطة بمكان الإقامة والوثائق الشخصية. وقد أفرز هذا الواقع، في مناسبات متعددة، نقاشات بين بعض المسافرين والسلطات المكلفة بمراقبة العبور، خصوصا عندما كانت تطرح وثائق إدارية ترتبط عادة بمغادرة البلاد.

كان الاعتراض الذي يقدمه بعض الحقوقيين والموظفين العموميين يقوم على فكرة واضحة: كيف يمكن مطالبة مواطن بإجراء يخص السفر إلى الخارج، في الوقت الذي تؤكد فيه الدولة أن المنطقة التي يتجه إليها ليست أرضا أجنبية، بل جزء من المجال الوطني الخاضع لوضع استعماري؟ هذا السؤال لم يكن مجرد احتجاج عابر عند نقطة عبور، بل كان تعبيرا عن تناقض يحتاج إلى معالجة قانونية دقيقة، لأن الفرق بين الموقف السياسي والممارسة الإدارية قد يتحول، مع مرور الوقت، إلى مادة قابلة للتأويل.

وتزداد المسألة تعقيدا عند وقوع محاولات عبور واسعة يشارك فيها شبان وقاصرون. ففي هذه الحالات، يجري غالبا استعمال مفاهيم مرتبطة بالهجرة غير النظامية، كما تبدأ اتصالات بين البلدين لإعادة الأشخاص الذين دخلوا إلى المدينة من دون المرور عبر المسالك المعتمدة. غير أن هذا التوصيف يطرح سؤالا جوهريا: هل يمكن اعتبار المواطن مهاجرا إلى خارج وطنه، بينما تؤكد بلاده أن المكان الذي قصده يقع ضمن أراض تطالب باستعادتها؟

لا يعني طرح هذا السؤال أن توصيف العابرين بهذا الشكل يؤدي تلقائيا إلى إضعاف الموقف المغربي، كما لا يعني أن كل إجراء إداري يمكن أن يتحول وحده إلى حجة فاصلة في نزاع دولي. إلا أن القانون الدولي لا ينظر فقط إلى التصريحات الكبرى، بل يهتم كذلك بسلوك الدول وممارسات مؤسساتها والمصطلحات الواردة في مراسلاتها واتفاقاتها. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى قدر كبير من الانسجام بين الخطاب السيادي والتدبير اليومي للملف.

وفي المقابل، لا يمكن اختزال الظاهرة في هذا الجانب وحده، لأن توافد الشباب على نقاط العبور يكشف عن أزمة اجتماعية واقتصادية لا تقل خطورة عن الإشكال القانوني. فالشاب الذي يخاطر بحياته لا ينطلق عادة من قراءة لموازين القوى أو من فهم للنزاعات التاريخية، بل تدفعه البطالة، والشعور بانسداد الأفق، والرغبة في الوصول إلى فرصة يعتقد أنها غير متاحة في محيطه.

لهذا السبب، لا تحقق المعالجة الأمنية سوى هدوء مؤقت. قد تنجح السلطات في إبعاد مجموعات عن الحدود، وقد تستعيد عددا ممن تمكنوا من الوصول، لكن المشهد يتكرر ما دامت دوافعه قائمة. والواقع أن كل موجة جديدة لا تكشف فقط عن ثغرة في المراقبة، بل تعلن أيضا عن خلل في سياسات الإدماج والتشغيل والتواصل مع الشباب.

وتجد إسبانيا نفسها بدورها أمام معادلة دقيقة. فهي تتعامل مع المدينة باعتبارها جزءا من مجالها الوطني وحدود الاتحاد الأوروبي، ولذلك تخضع الوافدين إليها لقوانين الهجرة وحماية الحدود. أما المغرب، فيدير العلاقة معها على أساس تعاون أمني وسياسي واسع، مع احتفاظه بموقفه التاريخي من المدينتين. ويجعل هذا الاختلاف في المرجعيات أي أزمة ميدانية قابلة للتحول بسرعة إلى توتر دبلوماسي أو إعلامي.

غير أن العلاقات الجيدة بين الرباط ومدريد توفر فرصة للانتقال من تدبير الوقائع بعد حدوثها إلى بناء تصور مشترك يمنع تكرارها. ولا ينبغي أن يقتصر هذا التصور على التنسيق الأمني وإجراءات الإعادة، بل يفترض أن يشمل مراجعة المصطلحات القانونية المعتمدة، وتوضيح طبيعة الوثائق المطلوبة، وإطلاق برامج تنموية موجهة إلى المناطق التي ينحدر منها أغلب المرشحين للعبور.

كما يمكن إحياء فكرة الحوار المنظم بشأن وضع المدينتين، من خلال لجنة مشتركة تضم قانونيين ودبلوماسيين وخبراء في الاقتصاد والهجرة. وليس ضروريا أن تبدأ هذه الآلية بمفاوضات مباشرة حول السيادة، إذ يمكنها أولا معالجة القضايا اليومية المرتبطة بالتنقل والتجارة والعمل والحقوق الاجتماعية، مع الحرص على ألا تنتج عن هذه الترتيبات مواقف ملتبسة تضر بالمصالح الاستراتيجية لأي طرف.

ويحتاج الإعلام بدوره إلى التعامل بحذر مع هذه الوقائع. فالمبالغة في وصف الأحداث، أو تحويل الشباب إلى أدوات في الصراع السياسي، قد يحجب الأسباب الحقيقية للظاهرة ويغذي التوتر بين البلدين. كما أن استعمال عبارات غير منضبطة قانونيا قد يمنح خصوم المغرب مادة جاهزة لإعادة تفسير مواقفه أو التشكيك في تماسكها.

إن القضية، في جوهرها، ليست حادثا حدوديا عابرا، بل ملف تتقاطع فيه السيادة والهجرة والتنمية والعلاقات الدولية. ولذلك لا يمكن حله بإجراء واحد أو خطاب ظرفي. المطلوب رؤية متكاملة تحافظ على وضوح الموقف المغربي، وتراعي مقتضيات التعاون مع إسبانيا، وتتصدى للأسباب الاجتماعية التي تدفع الشباب إلى المجازفة.

وكلما تأخر بناء هذه الرؤية، ظلت المنطقة معرضة لتكرار المشاهد نفسها، وبقيت القرارات المتخذة تحت ضغط الأحداث قابلة للتناقض وسوء التأويل. أما المعالجة الجدية فتبدأ من الاعتراف بأن حماية الموقف القانوني للدولة لا تنفصل عن حماية شبابها من اليأس، وأن العلاقات المتوازنة بين الجارين ينبغي أن تقوم على الوضوح، لا على ترك الملفات الحساسة معلقة إلى أن تنفجر من جديد.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button