فجيج بين الحق في الماء وأسئلة الحكامة الترابية..قراءة في دلالات الندوة الصحفية المرتقبة بالرباط

تتجه الأنظار، يوم الخميس 18 يونيو 2026، إلى الرباط، حيث ينظم الائتلاف الوطني لدعم حراك فكيك ندوة صحفية يقدّمها باعتبارها محطة جديدة في مسار ترافع طويل بدأ منذ نونبر 2023، حين خرجت ساكنة فكيك للاحتجاج على قرار إلحاق مرفق الماء الصالح للشرب بمجموعة الجماعات الترابية “الشرق للتوزيع”. غير أن الحدث، في جوهره، لا يقتصر على كونه موعداً إعلامياً عابراً، بل يندرج ضمن سياق أوسع تتداخل فيه أسئلة الحق في الماء، والحكامة المحلية، والعدالة المجالية، وحدود القرار العمومي عندما يتعلق بمرفق حيوي يرتبط مباشرة بالحياة اليومية للساكنة.
ففي فجيج التي تواجه تحديات متزايدة مرتبطة بندرة المياه وتنامي الضغوط المناخية، تصبح قضايا التدبير المائي أكثر حساسية من مجرد نقاش إداري أو تقني. فالماء، في مثل هذه السياقات، لا يُنظر إليه بوصفه خدمة عمومية فقط، بل باعتباره عنصراً مركزياً في الاستقرار الاجتماعي، وفي صيانة العيش المشترك، وفي ضمان شروط البقاء داخل المجالات الهشة، خاصة بالمناطق الواحية والحدودية التي تعتمد بشكل كبير على حسن تدبير الموارد الطبيعية وعلى التوازن الدقيق بين الحاجة والاستدامة. ومن هنا، فإن حراك فكيك يكتسب أهمية مضاعفة: فهو من جهة يعكس موقفاً احتجاجياً ضد قرار تدبيري محدد، ومن جهة أخرى يفتح نقاشاً أوسع حول من يملك حق القرار في الموارد الحيوية، وبأي منطق تُدار، ولصالح من؟
حراك محلي يتجاوز حدود الجغرافيا
قد تبدو فجيج، في ظاهر المشهد، قضية محلية تخص ساكنة واحة بعينها. غير أن متابعة مسار هذا الملف تكشف أن الأمر يتجاوز الحدود الجغرافية الضيقة، ليلامس قضايا وطنية ذات راهنية متزايدة. فالماء في المغرب، كما في عدد من البلدان التي تواجه الإجهاد المائي، أصبح عنواناً رئيسياً لنقاشات السياسات العمومية، ليس فقط من زاوية الندرة، بل أيضاً من زاوية توزيع الصلاحيات، وطريقة إدارة المرافق، ودرجة إشراك الساكنة في القرارات التي تمس حياتها المباشرة.
ومن هذا المنظور، فإن رفض ساكنة فجيج لقرار إلحاق مرفق الماء الصالح للشرب بمجموعة “الشرق للتوزيع” لا ينبغي قراءته بوصفه مجرد رفض إداري لقرار تقني، بل باعتباره تعبيراً عن تخوف أعمق من فقدان التحكم المحلي في مورد استراتيجي شديد الحساسية. وهذا التخوف يكتسب مشروعيته من كون تدبير الماء في المجالات الواحية لا يخضع فقط لمنطق المردودية أو التوحيد المؤسساتي، بل يرتبط أيضاً بخصوصيات مجالية وثقافية وتاريخية تجعل من أي تغيير في نمط التسيير موضوعاً للنقاش العمومي الموسع.
الاحتجاج السلمي كأداة تواصل سياسي واجتماعي
من اللافت في البلاغ الصادر عن الائتلاف الوطني لدعم حراك فكيك أنه يحرص على وصف الأشكال الاحتجاجية التي تخوضها الساكنة بأنها “سلمية” و“حضارية”. وهذه الإشارة ليست تفصيلاً لغوياً بسيطاً، بل تحمل دلالة سياسية واضحة. فالبلاغ يسعى إلى تثبيت صورة احتجاج مدني منضبط، يطلب الاعتراف به باعتباره ممارسة مشروعة ضمن المجال العام، لا باعتباره خروجاً عن النظام أو تهديداً للاستقرار.
هذا التوصيف يكتسب أهمية خاصة لأن الاحتجاج السلمي في مثل هذه الملفات لا يهدف فقط إلى الضغط، بل إلى بناء شرعية رمزية وأخلاقية حول القضية. حين تصر الساكنة ومن يساندها على الطابع السلمي لحركتها، فإنها توجه رسالتين في آن واحد: الأولى للسلطات والمؤسسات المعنية، مفادها أن الأزمة يمكن أن تُدار بالحوار والتفاوض لا بالتصعيد؛ والثانية للرأي العام، ومفادها أن القضية ليست صراعاً فئوياً ضيقاً، بل مطلباً جماعياً مرتبطاً بالعدالة والإنصاف وحقوق المجال.
وهنا تتضح أهمية الندوة الصحفية المرتقبة بالرباط. فهي ليست فقط مناسبة لعرض المعطيات، بل منصة لإعادة صياغة الخطاب حول الحراك، ونقله من دائرة الاحتجاج الميداني إلى فضاء التأثير الإعلامي والسياسي. فالرهان الحقيقي في مثل هذه اللحظات لا يكون فقط في الحضور العددي أو الرمزي، بل في القدرة على توسيع دائرة الفهم والتعاطف مع الملف.
الماء بوصفه حقاً وموضوعاً للعدالة المجالية
لا يمكن تحليل حراك فجيج بمعزل عن التحولات العميقة التي يعرفها النقاش العمومي حول الحق في الماء. ففي السابق، كان النقاش ينحصر غالباً في مسائل التزويد أو الانقطاع أو التسعيرة. أما اليوم، فقد اتسع ليشمل أسئلة أكثر عمقاً: من يقرر؟ من يدير؟ من يستفيد؟ ومن يتحمل كلفة السياسات العمومية حين تتحول إلى قرارات لا تراعي الخصوصيات المحلية؟
في حالة فجيج، يبدو أن جوهر الاعتراض لا يرتبط فقط بوجود خدمة مائية من عدمها، بل بمنطق التدبير نفسه. فإسناد المرفق إلى بنية جماعية ترابية واسعة قد يُقرأ من زاوية التحديث أو التوحيد أو الترشيد، لكنه قد يُنظر إليه أيضاً، في المقابل، باعتباره انتقالاً من تدبير قريب من الساكنة إلى تدبير أبعد عنها، وأكثر قابلية لأن يُتخذ بمنطق إداري فوقي. وهنا تحديداً يبرز الإشكال: هل يمكن أن يظل القرار العمومي ناجعاً إذا فقد ثقته الاجتماعية؟ وهل يكفي أن يكون القرار “قانونياً” أو “مؤسساتياً” إذا كان غير مقنع للمعنيين المباشرين به؟
إن هذه الأسئلة تجعل من قضية فجيج نموذجاً مصغراً لنقاش أكبر حول الحكامة الترابية. فالعدالة المجالية لا تعني فقط توزيع الاستثمار أو البنيات التحتية، بل تعني أيضاً احترام الحق في المشاركة في القرار، وفي خصوصية المجال، وفي سماع صوت الساكنة قبل فرض صيغ تسيير قد لا تتلاءم مع واقعها الاجتماعي والبيئي.
دور الهيئات المدنية والسياسية في تأطير الملف
يدعو الائتلاف الوطني في بلاغه مختلف الفاعلين الحقوقيين والمدنيين والشخصيات السياسية والنقابية والنسائية والشبابية إلى الحضور التضامني للندوة. وهذه الدعوة لا يمكن اعتبارها بروتوكولية فقط، بل هي مؤشر على الرغبة في توسيع دائرة الإسناد الاجتماعي والسياسي للملف. فكلما اتسعت قاعدة التضامن، زادت قدرة القضية على فرض نفسها في النقاش العمومي.
غير أن تعدد الهيئات المدعوة يحمل أيضاً رسالة أخرى: أن قضية فجيج لم تعد شأناً محلياً معزولاً، بل صارت اختباراً لقدرة القوى المدنية والسياسية على التفاعل مع قضايا الحقوق الأساسية حين تمس مناطق بعيدة عن المركز. ففي كثير من الأحيان، تتأخر القضايا المحلية في الوصول إلى المنابر الوطنية، بسبب محدودية التغطية أو ضعف الاهتمام السياسي. ومن هنا تأتي أهمية هذه الندوة في الرباط؛ فهي تنقل الملف إلى قلب الفضاء المؤسساتي والإعلامي، حيث يكون صدى القضية أوسع، وإمكانية التأثير أعلى.
كما أن حضور الهيئات الحقوقية والمدنية يضفي على الملف بعداً معيارياً، إذ يحوله من مجرد نزاع حول مرفق إلى قضية مرتبطة بمبادئ أوسع: الحق في الماء، المشاركة، الإنصاف، حماية المجال الواحي، واحترام الإرادة المحلية. وفي هذا المعنى، تصبح الندوة لحظة اختبار: هل سينجح الفاعلون في تحويل التعاطف إلى ضغط مدني مسؤول؟ وهل ستتمكن القضية من الحفاظ على طابعها المتزن بعيداً عن الاستقطاب والانفعال؟
البعد التنموي: حين يصبح الماء شرطاً للبقاء
في المجال الواحي، لا يمكن فصل الماء عن التنمية. فالماء ليس مجرد خدمة للبشر، بل أساس لكل دورة اقتصادية واجتماعية: الزراعة، الاستقرار الأسري، الاستمرار الديمغرافي، والحفاظ على هوية المكان. ولذلك، فإن أي خلل في تدبيره لا يُقاس فقط بمدى انتظام التزويد، بل أيضاً بما يتركه من آثار على المستقبل المحلي.
من هنا، فإن حراك فكيك يثير سؤالاً تنموياً جوهرياً: كيف يمكن تحقيق التنمية في مجال هش إذا كان أحد أهم موارده موضوعاً لصراع حول التسيير؟ وكيف يمكن طمأنة الساكنة إلى أن القرارات المرتبطة بالماء ستخدم الاستدامة لا ستعجل بالتهميش؟ ثم كيف يمكن إقناع الرأي العام بأن نماذج التدبير الجديدة لا تعني بالضرورة إضعاف الفعالية المحلية أو تهميش المعرفة المجالية المتراكمة لدى الساكنة؟
إن أهمية هذه الأسئلة تتجاوز حدود الملف نفسه، لأنها تمس الطريقة التي تُبنى بها السياسات العمومية في مجالات تعاني من حساسية مناخية واجتماعية خاصة. فالنجاعة التدبيرية لا تقاس فقط بالمؤشرات التقنية، بل أيضاً بمدى قبول الفاعلين المحليين لها، وبقدرتها على تجنب التوتر، وعلى إنتاج الثقة بدل الريبة.
الندوة الصحفية كآلية لإعادة ترتيب السردية
في زمن يتسارع فيه تداول الخبر، لم تعد الندوة الصحفية مجرد وسيلة لإبلاغ المعلومة، بل أصبحت أداة لإعادة ترتيب السردية حول قضية ما. وهذا بالضبط ما يبدو أن الائتلاف الوطني لدعم حراك فجيج، يسعى إليه من خلال هذه المحطة. فهو لا يكتفي بعرض “مستجدات الملف”، بل يريد أيضاً، كما ورد في البلاغ، “استعراض مختلف التطورات والمبادرات المستقبلية”، وفتح نقاش مع ممثلي وسائل الإعلام والمكونات المجتمعية الحاضرة حول الأبعاد الاجتماعية والحقوقية والتنموية للقضية.
وهذا يعني أن الهدف ليس فقط توثيق ما جرى، بل التأثير في كيفية فهم ما يجري. فالقضايا التي تحظى بسردية متماسكة، مدعومة بلغة حقوقية واضحة، وبشهادات ومرافعات منسجمة، تكون أكثر قدرة على الاستمرار في الفضاء العمومي. ومن هذا المنطلق، فإن الندوة الصحفية يمكن أن تكون لحظة مفصلية في الانتقال من الاحتجاج إلى التأطير، ومن التعبير الميداني إلى بناء خطاب جماعي أوسع.
بين التضامن والإنصاف
يلجأ البلاغ إلى عبارتين دالتين: “واجب التضامن” و“الإنصاف”. وهما ليستا مجرد مفردتين إنشائيتين، بل تلخصان المطلب الأخلاقي والسياسي للحراك. فالتضامن هنا يعني الاعتراف بكون القضية تتجاوز حدود المكان، وأن ما يقع في فكيك يستحق أن يُنظر إليه باعتباره شأنًا عاماً. أما الإنصاف، فيعني أن التعامل مع الملف يجب أن يستند إلى اعتبارات العدالة لا إلى منطق الغلبة أو الإملاء.
وهذا التلازم بين التضامن والإنصاف يضع الملف في صلب أسئلة المواطنة الحقيقية: هل يُمكن لمنطقة ما أن تحتفظ بحقها في تعريف حاجاتها الخاصة داخل إطار السياسات العمومية الوطنية؟ وهل يُمكن للقرارات الكبرى أن تراعي الهويات المحلية من دون أن تتعارض مع المصلحة العامة؟ إن الجواب عن هذه الأسئلة لا يخص فكيك وحدها، بل يهم كل المجالات التي تشعر أن صوتها قد لا يُسمع بالقدر الكافي.
إن الندوة الصحفية التي يعتزم الائتلاف الوطني لدعم حراك فجيج تنظيمها بالرباط ليست مجرد موعد تضامني، بل لحظة سياسية-مدنية تكشف حجم التوتر القائم بين منطق التدبير المؤسساتي ومنطق المشروعية الاجتماعية. فالقضية المطروحة تتعلق بالماء، لكنها في العمق تتعلق أيضاً بالحق في القرار، وبالإنصاف المجالي، وبكيفية إدارة المرفق العام حين يتصل بأكثر الحقوق حساسية.
ومن المرجح أن تظل فجيج، في هذا السياق، أكثر من مجرد اسم على خريطة الاحتجاجات المحلية. إنها اليوم عنوان لنقاش وطني حول من يملك حق التسيير، وكيف تُبنى الثقة بين الدولة والساكنة، وما إذا كانت السياسات العمومية قادرة على الإصغاء إلى المناطق الهشة قبل أن تتحول مطالبها إلى أزمة مستعصية. لذلك، فإن متابعة هذه الندوة لا تهم فقط المهتمين بالملف، بل كل من يعنيه مستقبل الحكامة الترابية والحق في الموارد الأساسية والعدالة الاجتماعية في المغرب.



