سباق التزكيات النسائية يختبر تماسك الأحزاب.. فاس نموذجاً لصعوبة حسم اللوائح الجهوية

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، تدخل الأحزاب السياسية المغربية مرحلة دقيقة من الاستعدادات، عنوانها الأبرز حسم أسماء المرشحين والمرشحات لقيادة اللوائح الانتخابية، وفي مقدمتها اللوائح الجهوية للنساء، التي تحولت في عدد من الجهات إلى مجال للتنافس الداخلي واختبار قدرة التنظيمات الحزبية على تحقيق التوازن بين اختيارات القيادات المركزية ومطالب القواعد المحلية.
ويكشف النقاش الدائر داخل عدد من الأحزاب أن عملية التزكية لا تقتصر على اختيار أسماء لخوض الانتخابات، وإنما ترتبط أيضاً بحسابات تنظيمية وسياسية ومجالية، من قبيل الحضور داخل الحزب، والقبول لدى المناضلين، والقدرة على التعبئة، إضافة إلى التوازن بين مختلف أقاليم الجهة.
وفي هذا السياق، برزت مدينة فاس كواحدة من أبرز بؤر الجدل حول التزكيات النسائية، بعد تحرك مئات الأعضاء والمناضلين داخل أحد الأحزاب للاعتراض على اختيار نائبة برلمانية لقيادة اللائحة الجهوية للنساء بجهة فاس-مكناس.
فاس.. خلاف حول التزكية أم أعمق من ذلك؟
بحسب مقال نشرته وسائل إعلام محلية ووطنية، عبّر مئات من أعضاء الحزب بفاس عن رفضهم لقرار التزكية، مطالبين قيادة هذا الحزب بإعادة النظر في الاختيار وفتح المجال أمام مرشحة تحظى، وفق تعبيرهم، بالتوافق والثقة داخل التنظيم.
ولا يبدو أن جوهر الخلاف يقتصر، وفق ما ورد في هذه الوثائق، على اسم المرشحة فقط، إذ يربط الموقعون اعتراضهم بجملة من الملاحظات التنظيمية والسياسية، من بينها ما يعتبرونه غياباً للتوافق الداخلي، وانتقادات لطريقة تدبير بعض الملفات والعلاقات داخل الحزب، فضلاً عن اعتراضهم على ما يرونه عدم إنصاف في توزيع فرص التزكية بين أقاليم جهة فاس-مكناس.
كما طالب الموقعون بمنح أقاليم الجهة الأخرى فرصة لتقديم كفاءات نسائية قادرة على خوض الاستحقاقات، معتبرين أن استفادة مدينة فاس من اللائحة الجهوية في ولايتين سابقتين تفرض، من وجهة نظرهم، إعادة النظر في توزيع هذه الفرصة.
وتظل هذه الانتقادات والمعطيات منسوبة إلى المواقع التي نشرت الخبر، ولا يمكن اعتبارها إثباتاً لوقائع أو مخالفات ما لم تؤكدها الجهات المختصة أو تصدر بشأنها قرارات رسمية.
التزكيات النسائية.. منافسة داخلية تتجاوز الأسماء
الحالة الفاسية تأتي في سياق وطني يعرف حركية متزايدة داخل الأحزاب السياسية لحسم وكيلات اللوائح الجهوية.
فحسب المعطيات المنشورة، تتقدم الأحزاب بوتيرة متفاوتة في عملية اختيار المرشحات، حيث حسم بعضها في عدد من الأسماء، بينما لا تزال تنظيمات أخرى تواصل دراسة الترشيحات من خلال لجان حزبية مختصة.
ويظهر من المساطر التي تعتمدها بعض الأحزاب أن المفاضلة بين المرشحات لا تقوم فقط على الرغبة في الترشح، بل تشمل عناصر مرتبطة بالمستوى الدراسي، والحضور السياسي، والقدرة على التعبئة، إلى جانب نتائج المقابلات التي تجريها اللجان المكلفة بدراسة الملفات.
وهكذا، أصبح ملف التزكيات النسائية أحد الملفات التي تختبر قدرة الأحزاب على تدبير التنافس الداخلي، خصوصاً عندما تتعدد الأسماء المرشحة داخل الجهة الواحدة.
اختلاف المقاربات بين الأحزاب
وفي الوقت الذي يواصل فيه حزب التقدم والاشتراكية استكمال حسم أسماء وكيلات لوائحه في بعض الجهات، أعلن حزب التجمع الوطني للأحرار عن عدد من الأسماء، من بينها نبيلة الرميلي بجهة الدار البيضاء-سطات، ومريم بوعيدة بجهة كلميم-واد نون، وأميرة حرمة الله بجهة الداخلة-وادي الذهب.
أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فيواصل بدوره ترتيباته الداخلية لحسم الترشيحات، بينما لم يحسم حزب الاستقلال بشكل نهائي جميع أسماء وكيلات لوائحه الجهوية.
وفي المقابل، اختار حزب الأصالة والمعاصرة اعتماد قدر أكبر من التكتم حول مسار الترشيحات، مع إسناد مهمة فحص الملفات والبت فيها إلى لجنة مصغرة مشتركة، قبل إحالة خلاصاتها على الهيئات الحزبية المختصة.
هذا التفاوت في طرق الاختيار يعكس اختلاف المقاربات التنظيمية بين الأحزاب، لكنه يكشف في الوقت نفسه أن التزكية الانتخابية أصبحت عملية مركبة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والتنظيمية والمجالية.
حين تتحول التزكية إلى اختبار للوحدة الداخلية
أهمية الجدل في فاس لا ترتبط فقط بالاسم المطروح لقيادة اللائحة الجهوية، وإنما بما يمكن أن يترتب عن استمرار الخلاف على مستوى التنظيم المحلي.
فالموقعون على العريضة لوّحوا بإمكانية الاستقالة والانسحاب من الحزب حسب نفس المصدر في حال الإصرار على القرار، وهي خطوة من شأنها، في حال تنفيذها، أن تضع القيادة أمام تحدي الحفاظ على تماسك القواعد وضمان استمرار التعبئة الانتخابية.
وفي المقابل، تبقى الكلمة الأخيرة في ملف التزكية للهيئات الحزبية المخولة باتخاذ القرار، ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة بالنسبة إلى قدرة القيادة على إيجاد صيغة تجمع بين احترام المساطر الداخلية واحتواء الاعتراضات.
العدالة المجالية تدخل سباق الانتخابات
إلى جانب الصراع حول الأسماء، تبرز مسألة العدالة المجالية باعتبارها واحدة من أكثر القضايا حساسية في اختيار اللوائح الجهوية.
ففي الجهات التي تضم عدداً من الأقاليم والمدن، لا يتعلق الأمر فقط بمن هي المرشحة الأكثر حظاً، وإنما أيضاً بأي منطقة ستحظى بفرصة التمثيل، وهل يتم تداول فرص التزكية بين مختلف الأقاليم، أم تستمر في المدن نفسها خلال ولايات متتالية.
ومن هذه الزاوية، فإن النقاش الذي أثاره أعضاء حزب الأصالة والمعاصرة بفاس يعكس إشكالية أوسع يمكن أن تواجهها أحزاب أخرى، خصوصاً مع ارتفاع سقف التنافس الداخلي واقتراب موعد الانتخابات.
نحو حسم اللوائح.. والقيادات أمام امتحان التوافق
ومع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية، تتجه الأحزاب إلى تسريع عملية الحسم في اللوائح الانتخابية، وهو ما يعني أن هامش الوقت أمام القيادات لمعالجة الخلافات الداخلية أصبح محدوداً.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن سباق التزكيات النسائية لم يعد مجرد إجراء تنظيمي سابق للحملة الانتخابية، بل أصبح في عدد من الجهات محطة سياسية قائمة بذاتها، يمكن أن تحدد مستوى الانسجام داخل التنظيم وقدرته على خوض المنافسة الانتخابية بصف موحد.
وبالنسبة إلى جهة فاس-مكناس، فإن التطورات الأخيرة تضع هذا الحزب الذي تكلمت عنه الجرائد أمام اختبار مزدوج: حسم اللائحة الجهوية للنساء من جهة، واحتواء حالة التوتر داخل جزء من قواعده من جهة أخرى.
وفي نهاية المطاف، لن يكون التحدي بالنسبة إلى الأحزاب هو اختيار أسماء المرشحات فقط، بل ضمان أن تحظى هذه الاختيارات بأكبر قدر ممكن من القبول الداخلي، بما يسمح بتحويل التزكية من نقطة خلاف إلى رافعة انتخابية قادرة على تعبئة المناضلين والناخبين معاً.
وبذلك، تبدو معركة التزكيات النسائية في انتخابات 2026 أكبر من مجرد سباق على أسماء ومقاعد؛ فهي اختبار حقيقي لمدى قدرة الأحزاب على تدبير التنافس الداخلي، وتحقيق التوازن بين القرار المركزي والديمقراطية التنظيمية، وبين الاعتبارات السياسية ومتطلبات العدالة المجالية.



