أخبارالرئيسيةجهات المملكةسياسة

الخميسات..معركة “الكتاب” في زمن الاحتقان

بقلم : يونس الازمي

قراءة في استراتيجية حزب التقدم والاشتراكية قبل تشريعيات 23 شتنبر
في دارٍ كبيرة بنسيتل، بجماعة آيت أوريبل، وعلى بُعد كيلومترات من صخب الرباط، اجتمع رجال ونساء حزب “الكتاب” في أحد أيام يونيو الحارة. لم يكن لقاءً عادياً، ولا مجرد تمرين تنظيمي روتيني. كان هناك شيء آخر، شيء يشبه اليقظة السياسية، أو ربما محاولة إنعاش روحٍ بدأت تخفت في أحد أعرق أحزاب المغرب.
ترأس الاجتماع أناس الصبيحي، الاسم الذي بدأ يتردد بقوة في أروقة الحزب، رفقة خالد الخبيزي، الكاتب الإقليمي. وحولهما وفد من الجماعات: مجمع الطلبة، آيت إيكو، آيت ميمون، سيدي الغندور، المعازيز، تيداس. أسماء قد لا تقول شيئاً لمن يقرأ الخريطة من فوق، لكنها في الواقع كتلة من الأصوات، وجيوب من الاحتقان، ومخزون من الإحباط يتراكم سنة بعد سنة.
السؤال الذي كان يطل برأسه بين ثنايا النقاش ليس “كيف نفوز؟” فقط، بل “بماذا نفوز؟” وفي زمن أصبحت فيه النخب تبحث عن شرعيتها في مواجهة الشارع، لا في مرافقة السلطة.

فؤاد كريم.. “وجه جديد” أم “ورقة رابحة”؟

عندما أعلن الحزب عن اسم مرشحه في دائرة الخميسات-أولماس، كان الاسم مفاجئاً للبعض، لكنه كان محسوباً بعناية عند المتابعين. فؤاد كريم، رئيس جماعة مجمع الطلبة، وعضو الغرفة الفلاحية الجهوية.

لكن لماذا فؤاد بالذات؟

هنا تكمن القصة الأعمق. فالحزب الذي كان يعاني من شيخوخة قيادية، يقرر فجأة أن يرمي بنفسه في اختبار التجديد. فؤاد ليس مجرد مرشح، بل هو رسالة: نحن نفهم أن الزمن تغير، وأن الشباب لم يعودوا ينتظرون دورهم، بل يخطفونه. كما أنه ليس غريباً على المنطقة، فهو يعرف هموم الفلاح، ويعرف معاناة المواطن البسيط في جماعته، ويعرف أيضاً كيف تتحدث الجمعيات، وكيف يُقرأ دفتر التحملات.
ولكن، هل يكفي أن تكون “وجهاً جديداً” لتكون “ورقة رابحة”؟ هذا هو السؤال الذي يطرح نفسه بقوة. فالانتخابات في المغرب، خاصة في الأقاليم، لا تلعب فيها الكفاءة وحدها دوراً، بل العلاقات، والمال، والظهر السياسي. وهنا يبدو أن الحزب راهن على أن “النزاهة” قد تكون سلعة نادرة في السوق الانتخابية، تستحق أن تُسوّق بقوة.

القانون الجديد.. هل يخدم “الكتاب” حقاً؟

لنكن صريحين. انتخابات 2021 كانت زلزالاً سياسياً بكل المقاييس. ففي تلك السنة، خسر حزب العدالة والتنمية 90% من مقاعده، منتقلاً من 125 مقعداً إلى 13 مقعداً فقط، بينما قفز حزب التجمع الوطني للأحرار من 37 مقعداً إلى 102 مقعد. وهذا التحول الدراماتيكي أعاد تعريف مفهوم “الفوز” و”الخسارة” في المغرب.
القوانين الجديدة التي ألغت العتبة الانتخابية، وحولت الدوائر الوطنية إلى جهوية، أحدثت هزة عنيفة في بنية البرلمان المغربي. الأحزاب الصغيرة والمتوسطة وجدت نفسها فجأة قادرة على اقتناص مقاعد لم تكن تحلم بها، والأحزاب الكبيرة، خصوصاً “العدالة والتنمية”، اكتوت بنار هذا التحول.
هذه المرة، يبدو أن حزب التقدم والاشتراكية يريد أن يستفيد من هذا الدرس. فهو لم يعد ذلك الحزب الذي يكتفي بـ “شرف المشاركة”، بل يسعى لأن يكون رقماً صعباً في معادلة البرلمان المقبل. لكن هناك مفارقة: تحسن وضع الحزب في المؤسسات لا يعني بالضرورة تحسن صورته في الشارع. المواطن البسيط لا يقرأ القوانين الانتخابية، لكنه يشعر بغلاء الخبز، ويشعر بكساد الفلاحة، ويشعر بغياب الأمل.
وهنا تحديداً يقع التحدي الأكبر للحزب: كيف يحول الاحتقان الاجتماعي إلى طاقة انتخابية دون أن يتحول إلى خطاب متطرف، ودون أن يصطدم بـ “الخطوط الحمراء” التي تحكم العمل السياسي في المغرب؟

في جلسات الحزب، يُردد دائماً أن “المناخ السياسي” غير ملائم، وأن هناك “ملفات عالقة” تمنع المشاركة الواسعة. لكن خلف هذه العبارات الدبلوماسية، هناك غضب حقيقي في الشارع. فالمواطن يتساءل: كيف لنا أن نشارك في صنع القرار ونحن لا نملك حتى حرية التعبير في الشارع؟ كيف نثق في المؤسسات ونحن نرى السياسيين يتنافسون على المناصب وكأنها غنائم حرب؟
هذا الغضب، إذا أحسن الحزب استثماره، يمكن أن يكون وقوداً انتخابياً هائلاً. وإذا أخفق في ذلك، قد يتحول إلى صوت احتجاجي يذهب إلى صناديق الاقتراع، لكنه لا يذهب بالضرورة إلى حزب “الكتاب”. فهناك أحزاب أخرى تنافس على هذا الجمهور.
بينما يراهن حزب الاستقلال على “الخطاب الوطني”، والتجمع الوطني للأحرار على “السلطة والمال”، والاتحاد الاشتراكي على “المعارضة الراديكالية”، يحاول PPS تقديم نفسه كـ”الوسط النزيه”. لكن هل هذا كافٍ في معركة لا تعترف بالوسطية؟
أعتقد أن الإجابة تكمن في المزج بين الأصالة والمعاصرة. فالحزب يملك إرثاً نضالياً لا يستهان به، لكنه يعاني من عقدة الماضي. إذا استطاع أن يقدم نفسه كحزب “يساري جديد” قادر على مخاطبة الشباب بلغتهم، والهموم الاجتماعية بواقعية، والعمل المؤسساتي بفعالية، فقد يحدث اختراقاً حقيقياً في دائرة الخميسات.

“لقاء يوليوز”.. محطة الحسم

قبل أسابيع قليلة من موعد الاقتراع، يستعد الحزب لحدث كبير: لقاء جماهيري بمركز جماعة مجمع الطلبة، يترأسه الأمين العام محمد نبيل بنعبد الله.
هذا اللقاء ليس مجرد خطبة في ساحة، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الحزب على التعبئة. فهل ستمتلئ القاعة؟ ومن سيحضر؟ وما هي الرسائل التي سيحملها الأمين العام هذه المرة؟ هل سيوجه خطابه إلى السلطة أم إلى الشارع؟ هل سيكون هادئاً ودبلوماسياً أم حاداً ومواجهاً؟
في تقديري، أن نجاح هذا اللقاء سيكون مؤشراً قوياً على مدى قدرة الحزب على قلب الطاولة في دائرة كانت تعتبر تقليدياً معقلاً لأحزاب أخرى. أما الفشل، فسيعني أن الحزب لا يزال يعاني من أزمة الثقة مع قاعدته الشعبية، وأن محاولة التجديد لم تكن كافية لتجاوز الجمود التنظيمي والخطابي.

السيناريوهات المحتملة: أين يتجه PPS في الخميسات؟

في تقديري، ثلاثة سيناريوهات تنتظر حزب التقدم والاشتراكية في دائرة الخميسات-أولماس:
السيناريو الأول – سيناريو الاختراق: إن نجح الحزب في تحويل الاحتقان المحلي إلى أصوات، واستطاع فؤاد كريم أن يفرض نفسه كوجه جديد وكفوء، فقد يحقق مكاسب غير مسبوقة، قد تصل إلى مقعد أو اثنين في البرلمان، وهو ما سيكون إنجازاً تاريخياً للحزب في الإقليم.
السيناريو الثاني – سيناريو التراجع: إن بقي الحزب أسير خطابه التقليدي، وفشل في استقطاب الشباب، واصطدم بآلة الأحزاب المنافسة، فقد يخسر حتى ما كان يملكه من حضور متواضع في الانتخابات السابقة.
السيناريو الثالث – سيناريو التوازن: إن حقق تقدماً متواضعاً لكنه ملحوظ، فسيُعتبر ذلك نجاحاً نسبياً يسمح له بالبقاء في اللعبة السياسية، ويعزز موقعه كحزب معارض مؤثر، دون أن يحدث اختراقاً حقيقياً.

السياق الوطني: بين الاحتقان والرهان الملكي

لا يمكننا قراءة هذه الاستراتيجية بمعزل عن التوجهات الملكية التي تشجع على تجديد النخب وإشراك الشباب، وهو ما يفسر جزئياً جرأة الحزب في تقديم وجوه جديدة، في محاولة للانخراط في رؤية وطنية أوسع لتحديث المشهد السياسي. فالمؤسسة الملكية، من خلال خطاباتها وتوجيهاتها، تدعو باستمرار إلى ضخ دماء جديدة في العمل السياسي، وهو ما يمنح أحزاباً مثل PPS فرصة لإعادة تموقعها.
لكن في المقابل، يعيش الشارع المغربي حالة من الاحتقان المتراكم بسبب غلاء المعيشة، وتفشي البطالة، وضعف الخدمات العمومية. وهذا الاحتقان يشكل سلاحاً ذا حدين للأحزاب: يمكن استثماره لكسب الأصوات، لكنه قد يتحول أيضاً إلى غضب عارم يطيح بكل من لا يستطيع تلبية تطلعات المواطنين.

خاتمة: رهان الصورة والنزاهة

في نهاية المطاف، يبدو أن حزب التقدم والاشتراكية يخوض هذه الانتخابات ليس فقط ليفوز بمقعدين أو ثلاثة، بل ليثبت لنفسه أولاً أنه لا يزال حياً وقادراً على التجديد. ففؤاد كريم ليس مجرد مرشح، بل هو امتحان لجرأة الحزب على تغيير جلده. واللقاء الجماهيري ليس مجرد حدث تنظيمي، بل هو مرآة تعكس مدى التصاق الحزب بقاعدته الشعبية.
أما النتيجة النهائية، فستظل رهينة بعوامل كثيرة: مدى قدرة الحزب على تحويل الاحتقان الاجتماعي إلى بطاقة انتخابية، ومدى نجاحه في مخاطبة فئة الشباب، ومدى قدرته على تقديم نفسه كبديل نزيه في زمن فُقدت فيه الثقة في السياسة.
الجميل أن كل هذه العوامل تجتمع في تجربة الخميسات، لتجعل منها مختبراً سياسياً بامتياز، ومادة خصبة للتحليل والنقاش. وسنبقى نترقب، باهتمام، ما ستؤول إليه هذه المعركة في شتنبر المقبل، وما إذا كان “الكتاب” سيُكتب له النجاح أم سيبقى حبراً على ورق.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button