Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

فاس بين ذاكرة النضال وواقع التطبيل السياسي

بقلم: الحسن سنداني

تبدو مدينة فاس اليوم وكأنها تعيش مفارقة يصعب استيعابها.فهذه المدينة التي ارتبط اسمها عبر التاريخ بالنضال السياسي والفكري، وكانت موطنًا لرجال ونساء حملوا هموم الوطن ودافعوا عن قيم النزاهة والكرامة، أصبحت في نظر الكثيرين مسرحًا لمشاهد سياسية تثير الاستغراب والحيرة.
فكيف يمكن لشخصيات ارتبطت في أذهان عدد كبير من المواطنين بمراحل من التعثر والتراجع أن تتحول بين عشية وضحاها إلى رموز للخلاص؟ وكيف لمن كان جزءًا من المشكلة أن يُقدَّم اليوم باعتباره الحل المنتظر؟ إنها أسئلة يطرحها الشارع الفاسي كلما شاهد حملات التمجيد والتصفيق التي تُرافق بعض الوجوه السياسية، وكأن الذاكرة الجماعية للمدينة قد مُسحت فجأة.
الأكثر غرابة هو ظهور أشخاص قادمين من خارج المشهد المحلي، يُقدَّمون كمنقذين للمدينة وحملة لمشاريع التغيير والإصلاح، بينما يجهل الكثير منهم تفاصيل الواقع اليومي الذي يعيشه المواطن الفاسي. وتُصاحب هذه الظاهرة موجة من الشعارات الرنانة والخطابات المكررة التي تعد بالرخاء والتنمية، دون أن تُقدّم أجوبة حقيقية عن المشاكل المتراكمة التي تعاني منها المدينة.
وفي خضم هذا المشهد، برزت فئة نصّبت نفسها وصية على الرأي العام، تتحدث باسم الفاسيين وتدّعي تمثيل تطلعاتهم، وكأنها حصلت على تفويض حصري للترافع عن قضايا المدينة. غير أن تمثيل المواطنين لا يُمنح بالشعارات ولا يُكتسب بالصخب الإعلامي، بل يُنتزع بالعمل الجاد والنتائج الملموسة والقدرة على ملامسة هموم الناس الحقيقية.
إن ما يثير القلق ليس فقط وجود هذا الخطاب، بل أيضًا انتشار ثقافة التطبيل والتصفيق الأعمى، حيث يرتفع صوت المديح أكثر من صوت النقد، وتُستبدل المحاسبة بالولاء، ويصبح الانتماء للأشخاص أهم من الانتماء للمبادئ والمصلحة العامة.
فاس اليوم ليست في حاجة إلى أبواق جديدة ولا إلى مواسم إضافية من الوعود، بل تحتاج إلى مسؤولين يضعون مصلحة المدينة فوق الحسابات السياسية الضيقة، وإلى مواطنين يحكمون على التجارب بالإنجازات لا بالشعارات. فالتاريخ لا يكتبه المصفقون، وإنما يكتبه أولئك الذين يملكون الشجاعة لقول الحقيقة والدفاع عن مستقبل مدينتهم مهما كانت الضغوط والإغراءات.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button