
بقلم يونس الازمي
لا يزال حقل العلوم السياسية التقليدي، في مقاربته للظاهرة الانتخابية، حبيس تصور نخبوي-مؤسساتي يختزل المواطن في كائن عقلاني يحسب التكلفة والعائد قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع. غير أن الاستحقاقات الانتخابية المغربية المقبلة، بما تحمله من مفارقات صارخة بين قاعدة تسجيل موسعة (تتجاوز 18 مليون ناخب) ومعدلات مشاركة فعلية متدنية، تفضح قصور هذه النماذج التفسيرية. هنا، يصبح الجسد السياسي بحاجة ماسة إلى “تشريح” على طاولة مختلفة، طاولة تتقاطع فيها أدوات علم النفس الجمعي، والنظرية النقدية، والأنثروبولوجيا السياسية.
في هذا السياق، نقترح أن كرة القدم ليست مجرد استعارة أو واجهة للتحليل، بل هي “موقع إنتاج” للظاهرة السياسية، موقع تتشكل فيه بنى الشعور الجمعي، وتُختبر آليات الهيمنة والمقاومة، وتُعاد صياغة شروط الشرعية. من خلال حوار خصب بين غوستاف لوبون، أنطونيو غرامشي، بيير بورديو، وإميل دوركايم، سنحاول الكشف عن القواعد الخفية التي تتحكم في “لعبة” الانتقال من طقوس المدرج إلى طقوس الاقتراع.
- الإطار النظري المركب: فك الاشتباك بين أربعة مستويات للتحليل
لفهم الظاهرة في عمقها، لا يكفي نموذج نظري واحد. لذا، نقترح بناء تحليلياً مركباً من أربع طبقات، كل منها يجيب على سؤال محدد:
· المستوى الأول – دوركايم والطقس: لماذا يتجه الجمع إلى المقدس؟
يرى دوركايم في “الأشكال الأولية للحياة الدينية” أن المجتمع لا يستمر إلا عبر طقوس جماعية يعيد فيها تأكيد تضامنه ووجدانه المشترك. المدرج الكروي ليس مكاناً للترفيه، بل هو “طقس مدني محدث”. هنا، يتوجه الأفراد لا لمشاهدة لعبة، بل للمشاركة في “افتراق جماعي” (Effervescence Collective) يعيد شحن طاقتهم العاطفية ويخلق لحظة من الانصهار تفقد فيها الذرات الفردية المنعزلة شعورها بالعزلة. هذا ما يفسر الفشل الذريع للسياسة التقليدية: الأحزاب عجزت عن خلق “طقس” مماثل، فلم تعد قادرة على إنتاج “مقدس” مشترك يجتمع حوله الناس. إن الفرد الذي يرفع يديه في المدرج بتجربة شبه دينية، هو نفسه الذي يرفع كتفيه لا مبالياً أمام الصندوق الانتخابي الذي أصبح “طقساً بلا روح”. معطيات المندوبية السامية للتخطيط حول تآكل الثقة ليست سوى تعبير كمي عن هذا الفراغ الطقسي.
· المستوى الثاني – غرامشي والهيمنة: كيف يتحول النصر الكروي إلى رضا سياسي؟
يُكمل مفهوم أنطونيو غرامشي للـ”هيمنة” الصورة. الهيمنة، عنده، ليست مجرد قسر، بل قيادة فكرية وأخلاقية تُمارس عبر توافق تُنتجه مؤسسات المجتمع المدني. يُمكن النظر إلى كرة القدم، في هذه الحالة، كـ “جهاز هيمنة” بالغ الفعالية.
الانتصارات الكروية تُترجم إلى “رصيد رمزي” يُضاف إلى رصيد الدولة، ليس بالضرورة عبر خطاب مباشر، ولكن عبر آلية دقيقة: الدولة تُقدَّم باعتبارها “الراعي” و”الضامن” لفرحة الجماهير. حين يحقق المنتخب إنجازاً، يتماهى “الجسد الوطني” المنتصر مع “الجسد السياسي” القائم، ويصبح أي نقد موجهاً للنظام بمثابة تدنيس لهذه اللحظة المقدسة. هذه “الهيمنة الناعمة” تفسر لماذا يمكن لإنجاز كروي أن يُنتج رضا جماهيرياً يُمتص معه الغضب الاجتماعي، ولو مؤقتاً، ويعيد إنتاج شروط الطاعة الطوعية بشكل أكثر فعالية من أي خطاب سياسي مباشر.
· المستوى الثالث – بورديو ورأس المال: كيف يصبح الحكم كروياً ثم سياسياً؟
يُتيح لنا بيير بورديو، بمفاهيمه عن الحقل ورأس المال، فهم آلية التحويل. هناك “حقل رياضي” و”حقل سياسي”، ولكل منهما قواعده الخاصة. لكن ما يحدث مع نجوم الكرة هو عملية “تحويل رأس المال الرمزي”. النجم الكروي يمتلك “رأس مال رمزي” (هيبة، حب، اعتراف) متراكم في الحقل الرياضي. عندما يعبر إلى الحقل السياسي، فهو لا يأتي بأفكار، بل بهذا الرصيد العاطفي الجاهز. تحليلنا يتجاوز وصف الظاهرة: النجم، بحسب بورديو، يلتف على شرط الدخول إلى الحقل السياسي (البرنامج، التنظيم، النضال الطويل) لأنه يمتلك “الثمن” الذي يبحث عنه السياسيون المحترفون ولا يستطيعون شراءه: قدرة سحرية على التعبئة العاطفية للجماهير التي سئمت الخطاب السياسي العقلاني. هذا يطرح سؤالاً عميقاً حول تحول “الديمقراطية التمثيلية” إلى “ديمقراطية المشاهير”.
· المستوى الرابع – لوبون واللاوعي: لماذا ينتصر الشعار على البرنامج؟
في قلب هذه الديناميكيات، تأتي سيكولوجيا لوبون لتُذكرنا بأن الفاعل ليس فرداً عاقلاً، بل “جمهوراً”. في الجمهور، تتراجع الذات الواعية ويحل محلها “لاوعي جمعي” بدائي، تتحكم فيه المحفزات العاطفية والتكرار. هذا ما يفسر لماذا الشعار البسيط، والصورة الأيقونية (هدف، لحظة احتفال)، والرمز الوطني، تكون قوتها السياسية أضعاف أي برنامج انتخابي. الحزب السياسي، بخطابه المركب، يُخاطب عقلاً فردياً غير موجود فعلياً في لحظة التعبئة. بينما الشعار الذي يطلقه قائد جماهيري كروي أو حتى هتاف المدرجات، يُخاطب “روح5 الجماعة” مباشرة، ويُحدث عدوى نفسية عابرة للطبقات والجهات. هذه هي “الكيمياء” الحقيقية للتحشيد، التي تقف أمامها النظريات العقلانية عاجزة.
- أزمة التمثيل العميقة: حين يصبح العزوف خطاباً سياسياً مضاداً
بعد هذا التأسيس النظري، يمكننا إعادة قراءة مؤشرات المشاركة بشكل أعمق. نحن لا نواجه مجرد “عزوف” تقني، بل ما يُمكن تسميته بـ “الانسحاب السياسي الوجودي”. هذا ليس سلبية، بل هو فعل سياسي سلبي بامتياز، يُعبّر عن رفض جماعي لمنظومة التمثيل برمتها. إنها أزمة “اعتراف” عميقة: المواطنون، وخاصة الشباب، يشعرون أن الأحزاب لا تراهم ولا تعبر عن معاناتهم. وفي غياب الاعتراف السياسي، يبحثون عن “اعتراف رمزي” بديل، فيجدونه في المدرج. هناك، يكونون مرئيين، مسموعين، وفاعلين. إن المقارنة بين الحماس في المدرج والبرودة أمام الصندوق ليست مفارقة، بل هي وجهان لعملة واحدة: بحث يائس عن معنى وعن موقع في “الكل” الجمعي، عجزت السياسة عن توفيره ونجحت الكرة في محاكاته. - سيناريوهات المستقبل: عندما يلتقي التصور النظري بالواقع
انطلاقاً من هذا التركيب النظري، لم تعد السيناريوهات مجرد تكهنات، بل استنتاجات شبه حتمية:
· سيناريو “الشرعية الكاريزمية البديلة”: إذا استمرت الأحزاب في فقدان قدرتها على إنتاج “القداسة” (حسب دوركايم) و”الاعتراف” (حسب بورديو)، فإن الباب سيُفتح على مصراعيه لدخول رموز من خارج الحقل السياسي، قادمين من الحقل الرياضي، يحملون رأس مال رمزي جاهزاً. هذا لن يكون مجرد ترشح أفراد، بل سيكون تحولاً بنيوياً نحو شكل من “القيصرية الشعبوية الناعمة”، حيث تستمد الشرعية من العاطفة الجمعية لا من المؤسسات.
· سيناريو “التصويت الاحتفالي”: قد ننتقل من “التصويت كواجب” إلى “التصويت كاحتفال”. إذا تمكن خطاب سياسي ما من محاكاة “الافتراق الجماعي” الذي يحدث في المدرج، أي أن يتحول الاقتراع إلى لحظة اندماج وطني عاطفي وليس خياراً فردياً معزولاً، عندها فقط سنشهد ارتفاعاً حاداً في المشاركة. هذا يتطلب “خطاباً أسطورياً” لا “برنامجاً حكومياً”.
· سيناريو “الانفجار الضمني”: في حال استمر غياب أي قناة تعبير سياسي حقيقي، وفشلت الكرة في تقديم انتصارات تعويضية، فإن السخط الصامت الذي يرصده لوبون قد يجد منفذاً فجائياً. هنا، لن يكون المدرج مجرد مهرب، بل قد يتحول، كما في تجارب دولية، من فضاء لاستيعاب الغضب إلى فضاء لإنتاجه وتنظيمه، في “كيمياء سياسية” عكسية.
خاتمة: نحو علم سياسة “الشعور”
في النهاية، ما تكشفه لنا هذه المقاربة هو أن السياسة، في جوهرها، لا تُختزل في إدارة الموارد وتوزيعها، بل في إدارة العواطف وإنتاج المعاني. إنعنوان المقال : كرة القدم، سيكولوجيا الجماهير، وإعادة إنتاج الشرعية في المغرب – مقاربة نظرية متعددة المستويات
المقدمة:
لا يزال حقل العلوم السياسية التقليدي، في مقاربته للظاهرة الانتخابية، حبيس تصور نخبوي-مؤسساتي يختزل المواطن في كائن عقلاني يحسب التكلفة والعائد قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع. غير أن الاستحقاقات الانتخابية المغربية المقبلة، بما تحمله من مفارقات صارخة بين قاعدة تسجيل موسعة (تتجاوز 18 مليون ناخب) ومعدلات مشاركة فعلية متدنية، تفضح قصور هذه النماذج التفسيرية. هنا، يصبح الجسد السياسي بحاجة ماسة إلى “تشريح” على طاولة مختلفة، طاولة تتقاطع فيها أدوات علم النفس الجمعي، والنظرية النقدية، والأنثروبولوجيا السياسية.
في هذا السياق، نقترح أن كرة القدم ليست مجرد استعارة أو واجهة للتحليل، بل هي “موقع إنتاج” للظاهرة السياسية، موقع تتشكل فيه بنى الشعور الجمعي، وتُختبر آليات الهيمنة والمقاومة، وتُعاد صياغة شروط الشرعية. من خلال حوار خصب بين غوستاف لوبون، أنطونيو غرامشي، بيير بورديو، وإميل دوركايم، سنحاول الكشف عن القواعد الخفية التي تتحكم في “لعبة” الانتقال من طقوس المدرج إلى طقوس الاقتراع.
- الإطار النظري المركب: فك الاشتباك بين أربعة مستويات للتحليل
لفهم الظاهرة في عمقها، لا يكفي نموذج نظري واحد. لذا، نقترح بناء تحليلياً مركباً من أربع طبقات، كل منها يجيب على سؤال محدد:
· المستوى الأول – دوركايم والطقس: لماذا يتجه الجمع إلى المقدس؟
يرى دوركايم في “الأشكال الأولية للحياة الدينية” أن المجتمع لا يستمر إلا عبر طقوس جماعية يعيد فيها تأكيد تضامنه ووجدانه المشترك. المدرج الكروي ليس مكاناً للترفيه، بل هو “طقس مدني محدث”. هنا، يتوجه الأفراد لا لمشاهدة لعبة، بل للمشاركة في “افتراق جماعي” (Effervescence Collective) يعيد شحن طاقتهم العاطفية ويخلق لحظة من الانصهار تفقد فيها الذرات الفردية المنعزلة شعورها بالعزلة. هذا ما يفسر الفشل الذريع للسياسة التقليدية: الأحزاب عجزت عن خلق “طقس” مماثل، فلم تعد قادرة على إنتاج “مقدس” مشترك يجتمع حوله الناس. إن الفرد الذي يرفع يديه في المدرج بتجربة شبه دينية، هو نفسه الذي يرفع كتفيه لا مبالياً أمام الصندوق الانتخابي الذي أصبح “طقساً بلا روح”. معطيات المندوبية السامية للتخطيط حول تآكل الثقة ليست سوى تعبير كمي عن هذا الفراغ الطقسي.
· المستوى الثاني – غرامشي والهيمنة: كيف يتحول النصر الكروي إلى رضا سياسي؟
يُكمل مفهوم أنطونيو غرامشي للـ”هيمنة” الصورة. الهيمنة، عنده، ليست مجرد قسر، بل قيادة فكرية وأخلاقية تُمارس عبر توافق تُنتجه مؤسسات المجتمع المدني. يُمكن النظر إلى كرة القدم، في هذه الحالة، كـ “جهاز هيمنة” بالغ الفعالية.
الانتصارات الكروية تُترجم إلى “رصيد رمزي” يُضاف إلى رصيد الدولة، ليس بالضرورة عبر خطاب مباشر، ولكن عبر آلية دقيقة: الدولة تُقدَّم باعتبارها “الراعي” و”الضامن” لفرحة الجماهير. حين يحقق المنتخب إنجازاً، يتماهى “الجسد الوطني” المنتصر مع “الجسد السياسي” القائم، ويصبح أي نقد موجهاً للنظام بمثابة تدنيس لهذه اللحظة المقدسة. هذه “الهيمنة الناعمة” تفسر لماذا يمكن لإنجاز كروي أن يُنتج رضا جماهيرياً يُمتص معه الغضب الاجتماعي، ولو مؤقتاً، ويعيد إنتاج شروط الطاعة الطوعية بشكل أكثر فعالية من أي خطاب سياسي مباشر.
· المستوى الثالث – بورديو ورأس المال: كيف يصبح الحكم كروياً ثم سياسياً؟
يُتيح لنا بيير بورديو، بمفاهيمه عن الحقل ورأس المال، فهم آلية التحويل. هناك “حقل رياضي” و”حقل سياسي”، ولكل منهما قواعده الخاصة. لكن ما يحدث مع نجوم الكرة هو عملية “تحويل رأس المال الرمزي”. النجم الكروي يمتلك “رأس مال رمزي” (هيبة، حب، اعتراف) متراكم في الحقل الرياضي. عندما يعبر إلى الحقل السياسي، فهو لا يأتي بأفكار، بل بهذا الرصيد العاطفي الجاهز. تحليلنا يتجاوز وصف الظاهرة: النجم، بحسب بورديو، يلتف على شرط الدخول إلى الحقل السياسي (البرنامج، التنظيم، النضال الطويل) لأنه يمتلك “الثمن” الذي يبحث عنه السياسيون المحترفون ولا يستطيعون شراءه: قدرة سحرية على التعبئة العاطفية للجماهير التي سئمت الخطاب السياسي العقلاني. هذا يطرح سؤالاً عميقاً حول تحول “الديمقراطية التمثيلية” إلى “ديمقراطية المشاهير”.
· المستوى الرابع – لوبون واللاوعي: لماذا ينتصر الشعار على البرنامج؟
في قلب هذه الديناميكيات، تأتيy سيكولوجيا لوبون لتُذكرنا بأن الفاعل ليس فرداً عاقلاً، بل “جمهوراً”. في الجمهور، تتراجع الذات الواعية ويحل محلها “لاوعي جمعي” بدائي، تتحكم فيه المحفزات العاطفية والتكرار. هذا ما يفسر لماذا الشعار البسيط، والصورة الأيقونية (هدف، لحظة احتفال)، والرمز الوطني، تكون قوتها السياسية أضعاف أي برنامج انتخابي. الحزب السياسي، بخطابه المركب، يُخاطب عقلاً فردياً غير موجود فعلياً في لحظة التعبئة. بينما الشعار الذي يطلقه قائد جماهيري كروي أو حتى هتاف المدرجات، يُخاطب “روح الجماعة” مباشرة، ويُحدث عدوى نفسية عابرة للطبقات والجهات. هذه هي “الكيمياء” الحقيقية للتحشيد، التي تقف أمامها النظريات العقلانية عاجزة.
- أزمة التمثيل العميقة: حين يصبح العزوف خطاباً سياسياً مضاداً
بعد هذا التأسيس النظري، يمكننا إعادة قراءة مؤشرات المشاركة بشكل أعمق. نحن لا نواجه مجرد “عزوف”٦ تقني، بل ما يُمكن تسميته بـ “الانسحاب السياسي الوجودي”. هذا ليس سلبية، بل هو فعل سياسي سلبي بامتياز، يُعبّر عن رفض جماعي لمنظومة التمثيل برمتها. إنها أزمة “اعتراف” عميقة: المواطنون، وخاصة الشباب، يشعرون أن الأحزاب لا تراهم ولا تعبر عن معاناتهم. وفي غياب الاعتراف السياسي، يبحثون عن “اعتراف رمزي” بديل، فيجدونه في المدرج. هناك، يكونون مرئيين، مسموعين، وفاعلين. إن المقارنة بين الحماس في المدرج والبرودة أمام الصندوق ليست مفارقة، بل هي وجهان لعملة واحدة: بحث يائس عن معنى وعن موقع في “الكل” الجمعي، عجزت السياسة عن توفيره ونجحت الكرة في محاكاته. - سيناريوهات المستقبل: عندما يلتقي التصور النظري بالواقع
انطلاقاً من هذا التركيب النظري، لم تعد السيناريوهات مجرد تكهنات، بل استنتاجات شبه حتمية:
· سيناريو “الشرعية الكاريزمية البديلة”: إذا استمرت الأحزاب في فقدان قدرتها على إنتاج “القداسة” (حسب دوركايم) و”الاعتراف” (حسب بورديو)، فإن الباب سيُفتح على مصراعيه لدخول رموز من خارج الحقل السياسي، قادمين من الحقل الرياضي، يحملون رأس مال رمزي جاهزاً. هذا لن يكونع مجرد ترشح أفراد، بل سيكون تحولاً بنيوياً نحو شكل من “القيصرية الشعبوية الناعمة”، حيث تستمد الشرعية من العاطفة الجمعية لا من المؤسسات.
· سيناريو “التصويت الاحتفالي”: قد ننتقل من “التصويت كواجب” إلى “التصويت كاحتفال”. إذا تمكن خطاب سياسي ما من محاكاة “الافتراق الجماعي” الذي يحدث في المدرج، أي أن يتحول الاقتراع إلى لحظة اندماج وطني عاطفي وليس خياراً فردياً معزولاً، عندها فقط سنشهد ارتفاعاً حاداً في المشاركة. هذا يتطلب “خطاباً أسطورياً” لا “برنامجاً حكومياً”.
· سيناريو “الانفجار الضمني”: في حال استمر غياب أي قناة تعبير سياسي حقيقي، وفشلت الكرة في تقديم انتصارات تعويضية، فإن السخط الصامت الذي يرصده لوبون قد يجد منفذاً فجائياً. هنا، لن يكون المدرج مجرد مهرب، بل قد يتحول، كما في تجارب دولية، من فضاء لاستيعاب الغضب إلى فضاء لإنتاجه وتنظيمه، في “كيمياء سياسية” عكسية.
خاتمة: نحو علم سياسة “الشعور”
في النهاية، ما تكشفه لنا هذه المقاربة هو أن السياسة، في جوهرها، لا تُختزل في إدارة الموارد وتوزيعها، بل في إدارة العواطف وإنتاج المعاني. إن إخفاق علم السياسة التقليدي في فهم الظاهرة الانتخابية في المغرب يعود إلى عجزه عن أخذ “الشعور” مأخذ الجد كموضوع للدراسة. لقد قمنا هنا، عبر تشريح الجسد السياسي على طاولة تجمع لوبون إلى جوار دوركايم وغرامشي وبورديو، بإماطة اللثام عن ديناميكيات خفية تجعل من مباراة كرة القدم حدثاً سياسياً مركزياً، ومن المدرج مختبراً لفهم الدولة والمجتمع والشرعية. الاستحقاقات المقبلة، بكل تأكيد، ستُظهر مرة أخرى أن “قلب” المواطن، حيث تُتخذ القرارات، لا يوجد في الكتيب الانتخابي، بل في ذلك الفضاء الغامض حيث يذوب الفرد في الجمهور، باحثاً عن نشوة النصر أو غضب الهزيمة. هناك، وليس في أي مكان آخر، ستُكتب الفصول القادمة من السيرة السياسية للمغرب. إخفاق علم السياسة التقليدي في فهم الظاهرة الانتخابية في المغرب يعود إلى عجزه عن أخذ “الشعور” مأخذ الجد كموضوع للدراسة. لقد قمنا هنا، عبر تشريح الجسد السياسي على طاولة تجمع لوبون إلى جوار دوركايم وغرامشي وبورديو، بإماطة اللثام عن ديناميكيات خفية تجعل من مباراة كرة القدم حدثاً سياسياً مركزياً، ومن المدرج مختبراً لفهم الدولة والمجتمع والشرعية. الاستحقاقات المقبلة، بكل تأكيد، ستُظهر مرة أخرى أن “قلب” المواطن، حيث تُتخذ القرارات، لا يوجد في الكتيب الانتخابي، بل في ذلك الفضاء الغامض حيث يذوب الفرد في الجمهور، باحثاً عن نشوة النصر أو غضب الهزيمة. هناك، وليس في أي مكان آخر، ستُكتب الفصول القادمة من السيرة السياسية للمغرب.



