Hot eventsأخبارأخبار سريعةثقافة و فن

أنساق الخطاب الأخلاقي في الشعر الاجتماعي المعاصر: قراءة في قصيدة “دمعة على مقام مهضوم” لرشيد الغلامي


بقلم: القبطان عبدالله دكدوك
تندرج قصيدة “دمعة على مقامٍ مهضوم” للشاعر رشيد الغلامي ضمن الشعر الاجتماعي القيمي الذي يستمد مرجعياته من القيم الإسلامية والإنسانية، ويجعل من قضية بر الوالدين محورًا لرؤيته الشعرية. ومنذ العنوان، يضع الشاعر القارئ أمام مشهد وجداني مؤثر؛ فالدمعة ليست مجرد انفعال عابر، وإنما علامة سيميائية على الحزن العميق إزاء ما آل إليه مقام الوالدين من تهميش وانتقاص، بعد أن رفعه القرآن الكريم إلى منزلة عظيمة. وبذلك يشكل العنوان عتبة نصية تستشرف المسار الدلالي للقصيدة، وتكشف عن طبيعة الخطاب الذي يجمع بين الرثاء والتحذير والدعوة إلى استعادة القيم.
يفتتح الشاعر نصه بتأكيد المرجعية الدينية التي تؤطر رؤيته، مستحضرًا بصورة مباشرة دلالة قوله تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾، فيقول:
مقامُ الوالدينِ في الكتابِ مُقدَّمٌ
فلئن أدركتَ أحدَهما أو كليهما
فاخفضْ لهما جناحَ الذلِّ تواضعًا
وصِلْهما بالودِّ والتمسْ رضاهما.
إن هذا الاستهلال يمنح القصيدة سلطة أخلاقية ودينية، ويؤكد أن خطابها لا ينطلق من رؤية ذاتية فحسب، بل من مرجعية قرآنية تجعل بر الوالدين واجبًا شرعيًا قبل أن يكون قيمة اجتماعية.
وتنتقل القصيدة بعد ذلك إلى تشخيص مظاهر العقوق، حيث يرسم الشاعر صورة مؤلمة لواقع اجتماعي تبدلت فيه الأولويات، فيقول:
ماذا حلَّ في هذا الزمانِ وأهلِهِ؟
أم في أرذلِ العمرِ تصنعُ جفوةً؟
النصبُ في الأموالِ أصبحَ سُنَّةً
قد ضاعَ المقامُ يا أسفي عُنوةً.
يتخذ الاستفهام هنا وظيفة إنكارية لا تنتظر جوابًا، بل تعبر عن صدمة الشاعر أمام التحولات التي أصابت المجتمع، حيث غدت المصالح المادية تتقدم على روابط البر والرحمة، وهو ما يجعل النص يحمل بعدًا نقديًا واضحًا يتجاوز حدود الوعظ إلى مساءلة الواقع.
ومن الناحية الأسلوبية، تتميز القصيدة بلغة واضحة مباشرة، بعيدة عن التعقيد، وهو اختيار فني يخدم طبيعة الرسالة الأخلاقية التي يسعى الشاعر إلى إيصالها. كما يكثر من الأفعال الإنشائية مثل: اخفض، صلهما، عاشر، خاطب، وهي أفعال تمنح النص طابعًا توجيهيًا، وتجعل المتلقي طرفًا في الخطاب، لا مجرد قارئ له.
أما على مستوى الصورة الشعرية، فإن الشاعر لا يراهن على الصور البلاغية المركبة، بل يستثمر صورًا رمزية ذات مرجعية دينية وإنسانية. فصورة “اخفض لهما جناح الذل” تستمد قوتها من النص القرآني، بينما تختزل عبارة “دمعة على مقام مهضوم” المأساة كلها في صورة واحدة، حيث تتحول الدمعة إلى رمز لانكسار منظومة أخلاقية بأكملها.
ويستمر الشاعر في إبراز قيمة البر حتى بعد وفاة الوالدين، فيقول:
وبعدَ المماتِ حقُّ الدعاءِ والترحُّمِ
فلن تفيَ عُشرَ ما كانَ إليكَ يُقدَّمُ.
وهنا يوسع مفهوم البر، فلا يحصره في حياة الوالدين، بل يجعله علاقة ممتدة بالدعاء والوفاء، بما يعكس عمق الرؤية الإسلامية التي يؤسس عليها نصه.
وعلى مستوى الإيقاع، تنتمي القصيدة إلى الشعر العمودي ذي النفس التقليدي، مع اعتماد قافية موحدة تمنح النص انسجامًا موسيقيًا، وتضفي على نبرته مسحة من الحزن والأسى، تتلاءم مع موضوع القصيدة.
ومن منظور سيميائي، تتأسس القصيدة على ثنائيات متقابلة، مثل: البر/العقوق، الرحمة/القسوة، الوفاء/الجحود، الدعاء/النسيان، الجنة/دار المسنين. وهذه الثنائيات لا تؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل تكشف عن صراع بين منظومتين قيميّتين: منظومة الأصالة الدينية والأخلاقية، ومنظومة مادية معاصرة يرى الشاعر أنها ساهمت في إضعاف الروابط الأسرية.
وتبلغ القصيدة ذروتها الوجدانية في خاتمتها الدعائية:
فيا ربَّ العبادِ إنّي لك سائلٌ
فيا رحمنُ إنّي لرحمتِكَ طامعٌ
واختِمْ لنا في هذه الحياةِ بتوبةٍ.
إن هذه الخاتمة تنقل الخطاب من دائرة النقد إلى أفق الرجاء، فتجعل من التوبة والرحمة الإلهية أملًا في إصلاح الإنسان والمجتمع.
وفي المحصلة، تقدم قصيدة “دمعة على مقامٍ مهضوم” للشاعر رشيد الغلامي خطابًا شعريًا يجمع بين الوظيفة الجمالية والرسالة الإصلاحية. ورغم ميلها في بعض المواضع إلى المباشرة والخطابية، فإنها تنجح في تحقيق أثرها بفضل صدق عاطفتها، واستنادها إلى مرجعية دينية راسخة، ووحدة موضوعها، وتماسك بنائها. وهي بذلك تمثل نموذجًا للشعر القيمي الذي يوظف الكلمة للدفاع عن منظومة أخلاقية أصيلة، ويجعل من الإبداع وسيلة لإحياء الضمير الإنساني واستنهاض الوعي المجتمعي.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button