Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

أنا أتكلم الفرنسية.. يعني أنتمي إلى طبقة راقية

بقلم: أحمد الميداوي

حين يتحول إقحام اللغة الفرنسية في برنامج ثقافي عربي صرف، إلى أداة للارتقاء الطبقي، فإن اللغة تكف عن أداء وظيفتها الطبيعية بوصفها وسيلة للتواصل، لتصبح وسيلة للاستعراض والتمييز الاجتماعي. فبعض المتدخلين لا يلجؤون إلى الفرنسية لأن العربية عاجزة عن التعبير، بل من أجل صناعة صورة اجتماعية لهم، قائمة على الوجاهة والتفوق.

والإشكال ليس في اللغة الفرنسية، وإنما في استخدامها من قبل البعض لإيصال رسالة اجتماعية مفادها: “أنا أنتمي إلى طبقة مختلفة”، جاعلين من اللغة، أداة للتميز والتفوق، كما حدث في

البرنامج الحواري “صدى الإبداع” الذي تبثه القناة المغربية الأولى، والذي يستدعي من القائمين عليه، المحافظة على انسجامه اللغوي والهوياتي، دون السماح للضيوف بمزج حديثهم بعبارات فرنسية متكررة، قد يُفهم منها على أنها استعراض لغوي متعالي على لغة البرنامج وجمهوره.

وحين يتحول برنامج ثقافي مغربي في لسانه وهويته، إلى حوار هجين تفرضه رغبة إحدى الضيفات في إقحام اللغة الفرنسية بكثرة في كل تدخلاتها، فإن القضية لا تعود قضية لغة، بل قضية استخفاف بالجمهور المتلقي الذي أول ما سيتبادر إلى ذهنه، ما إذا كان برنامج ثقافي بقناة فرنسية، سيسمح بإقحام مفردات متكررة بالعربية، في عملية استهانة مكشوفة بعنوان البرنامج ولسانه ومضمونه.

أسوق كلامي بعد تتبعي بالصدفة إحدى حلقات البرنامج التي تناولت موضوع التوفيق بين “المقالة والنص الإبداعي”، وأثارت الكثير من النفور في الأوساط الثقافية، كون المضيفة، هدى الفشتالية، وهي مُدرسة سابقة بإحدى إعداديات مدينة مكناس، أصرت على اقتراض مفردات بل عبارات بأكملها طيلة الحلقة، من قاموس الإنشاء الفرنسي، وسبكها في مداخلاتها المختلفة، كما لو أنها عاجزة عن تبليغ أفكارها بلغة البرنامج، أو أنها تحاول الإيحاء بانتمائها إلى فئة اجتماعية أو ثقافية معينة، أو أنها، باختصار، تبحث عن تمايز رمزي مفقود، عن بقية المتدخلين.

ولذلك وجب تنبيه برنامج “صدى الإبداع” المشهود له باحترافيته العالية، وقيمته الثقافية والفكرية الرفيعة، بضرورة عدم التغاضي عن هكذا نزوات لبعض الضيوف، لأن ذلك ليس انفتاحا ثقافيا، بل إضعافا لهوية البرنامج، وإرباكا لرسالته الإعلامية والثقافية.

فاللغة ليست وساما طبقيا، ولا دليلا على التفوق الفكري. وقد عرفت الثقافة العربية عبر تاريخها أعلاما كبارا بلغوا ذروة الإبداع والمعرفة، دون أن يحتاجوا إلى استعراض لغوي أو اجتماعي.

ومن الطبيعي بالنسبة للمشاهد الذي يتابع برنامجا ثقافيا عربيا، أن ينتظر لغة عربية سليمة وواضحة، لا خليطا لغويا يجعل العربية تبدو عاجزة عن التعبير، معطلة عن الإبداع.

والمفارقة تصبح أكبر حين تتحدث السيدة الفشتالية، بضبابية عن الأدب أو الشعر، ثم تلجأ إلى لغة لا هي عربية، ولا فرنسية، ولا حتى دارجة مغربية، كأن تقول مثلا ana fla poésie diali وغيرها من العبارات المعجونة التي توظفها كوسيلة للاستعراض الاجتماعي أو التباهي بالانتماء إلى نخبة معينة.

وهنا ينبغي التمييز بين الاستعمال العفوي لكلمة أو مصطلح أجنبي عند الضرورة، وبين التحول إلى خطاب هجين، قد يبعث برسالة مفادها أن اللغة الأجنبية أرفع شأناً من اللغة العربية المُعبّرة عن نشأتنا الكلامية.

ثم إن قوة المثقف لا تُقاس بعدد الكلمات الفرنسية التي يزج بها في حديثه، بل بقدرته على التعبير الدقيق والعميق بلغة جمهوره. فاللغة العربية حملت عبر قرون الفلسفة والعلوم والشعر والنقد والفكر، ولا تحتاج إلى شهادة كفاءة من لغة أخرى لكي تثبت أهليتها. ثم إنها الأداة التي حملت لنا الإسلام، وجسدت منذ أبعد العهود أفكارنا وأحاسيسنا، وهي اليوم مقوم من أهم مقومات حياتنا وكياننا.

“أنا أتكلم الفرنسية، يعني أنتمي إلى النخبة الاجتماعية والثقافية”. هذا التصور قد يكون شائعا لدى بعض الأشخاص الذين يغيب عنهم أن اللغة في حد ذاتها، ليست علامة على التفوق الثقافي أو الاجتماعي. وقد يتحدث شخص الفرنسية أو الإنجليزية أو الإسبانية بطلاقة، ومع ذلك يكون محدود الثقافة والفكر. وفي المقابل، قد لا يتقن سوى العربية، ويكون واسع الاطلاع وعميق المعرفة.

والمشكلة تظهر عندما تتحول اللغة الأجنبية من وسيلة إلى وسام اجتماعي، فيُراد منها الإيحاء بالتميز أو الارتقاء الطبقي. عندئذ يصبح الحديث بالفرنسية في بعض الأوساط أقرب إلى الاستعراض والتباهي الفارغ منه إلى حاجة تواصلية حقيقية.

والنخبة الثقافية الحقيقية، لمن عليه أن يفهم، لا تُعرف باللغة التي تتحدث بها، بل بما تنتجه من فكر ومعرفة وإبداع. فكم من متقن للغات متعددة، لم يترك وراءه فكرة واحدة جديرة بالذكر.

ولذلك، فإن عبارة “أنا أتكلم الفرنسية، إذن أنا أنتمي إلى النخبة الاجتماعية والثقافية”، ليست سوى ادعاء يحتاج إلى ما يبرره من إنجاز فكري، أدبي أو علمي.

والأخطر أن الضيفة تكتب في سيرتها الذاتية، أنها شاعرة بالعربية، فيما يطغى على حديثها مزجٌ متكرر بين العربية والفرنسية، دون ضرورة واضحة لذلك. وهو ما يدعو إلى التساؤل بشيء من السخرية المكسوة بمسحة من الواقعية، كيف أن اللغة العربية هي قادرة بالنسبة للضيفة على حمل القصيدة، وفي نفس الوقت عاجزة عن حمل الحوار الثقافي حول الأدب والشعر؟ أم أن ما يكتب في السّير الذاتية هو مجرد تضليل باطل، حيث “الشاعرة” لم يصدر لها ديوان واحد بلغة الضاد، لا بدور النشر، ولا حتى بدور الطبع، فيما حصيلتها باللغة الفرنسية لم تتجاوز شهادة الباكالوريا، وبعدها طلّقت لغة موليير من دون رجعة.

وفي النهاية، يجب الاعتراف بأن القضية ليست قضية فرنسية أو عربية في ذاتها، بل قضية انسجام بين الهوية المعلنة والممارسة الفعلية. فكلما اتسقت صورة المثقف أو الشاعر مع سلوكه اللغوي والثقافي، ازدادت مصداقيته لدى الجمهور.

ويبقى أن احترام اللغة لا يعني الانغلاق على اللغات الأخرى، بل يعني استعمال كل لغة في سياقها الطبيعي، دون شعور بالنقص تجاه اللغة الأم، أو الحاجة إلى الاحتماء بلغة أجنبية لاكتساب وجاهة ثقافية أو اجتماعية. والمثقف الحقيقي لا يرفع من شأنه عدد الكلمات الأجنبية التي يستعملها، بل قوة الفكرة التي يقدمها، وعمق المعرفة التي يحملها، واحترامه للجمهور الذي يخاطبه.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button