أخبارالرئيسيةتقارير وملفات

كيف يصنه القرار العمومي في المغرب

حينما يُطرح السؤال عن هوية صانع القرار العمومي في المغرب، تكون الإجابة الأكثر شيوعاً في كثير من النقاشات هي البحث عن مؤسسة واحدة أو شخص واحد يتحمل مسؤولية ذلك. غير أن هذه المقاربة، رغم بساطتها، لا تعكس واقع الدولة الحديثة. فالسياسات العمومية لم تعد تُصنع داخل مؤسسة منفردة، بل أصبحت ثمرة تفاعل منظومة كاملة من المؤسسات الدستورية والإدارية والأمنية والاقتصادية والاستشارية، لكل واحدة منها وظيفة محددة في مراحل إعداد القرار أو تنفيذه أو تقييمه. ولذلك، فإن فهم الدولة المغربية اليوم يقتضي الانتقال من سؤال “من يقرر؟” إلى سؤال أكثر دقة: كيف يُصنع القرار؟

لقد أحدث دستور 2011 تحولات مهمة في هندسة المؤسسات العمومية. فهو من جهة، عزز صلاحيات الحكومة ورئيسها في قيادة العمل الحكومي وتنفيذ السياسات العمومية، ومن جهة أخرى، رسخ دور البرلمان في التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية، كما دستر عدداً من الهيئات المستقلة المكلفة بالاستشارة أو التنظيم أو الحكامة أو الرقابة.

غير أن هذا التطور المؤسساتي لم يلغ خصوصية النظام الدستوري المغربي، الذي تحتفظ فيه المؤسسة الملكية بدور محوري في التوجيه الاستراتيجي للدولة، خاصة في القضايا الكبرى المرتبطة بالأمن القومي، والدفاع، والسياسة الخارجية، والخيارات الاستراتيجية طويلة المدى.
وفي هذا الإطار، تتولى الحكومة إعداد وتنفيذ السياسات العمومية، وصياغة مشاريع القوانين، وإعداد مشروع قانون المالية، وتنسيق عمل القطاعات الوزارية.

إلا أن القرار الحكومي لا يولد في فراغ، بل يمر غالباً عبر سلسلة طويلة من الدراسات التقنية، والمشاورات، وتقييم الأثر، قبل عرضه على المجلس الحكومي، ثم على المجلس الوزاري عندما ينص الدستور على ذلك، أو على البرلمان إذا كان يتعلق بنصوص تشريعية.

لكن اختزال صناعة القرار في العلاقة بين الحكومة والبرلمان سيكون قراءة ناقصة لأن المغرب يتوفر اليوم على منظومة واسعة من المؤسسات الدستورية والتنظيمية التي أصبحت تشارك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في بلورة السياسات العمومية. فالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يقدم آراء وتقارير حول القضايا الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، بينما يساهم المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في توجيه إصلاحات المنظومة التعليمية، ويؤدي مجلس المنافسة دوراً في حماية المنافسة والأسواق، كما يشكل بنك المغرب والهيئة المغربية لسوق الرساميل فاعلين أساسيين في رسم جزء من السياسات المالية والنقدية والتنظيمية.

أما المجلس الأعلى للحسابات، فيتجاوز دوره الرقابة المحاسبية ليصبح أحد أهم مصادر تقييم فعالية الإنفاق العمومي وجودة تنفيذ السياسات. بَيْدَ أن صناعة القرار لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية أو الاجتماعية، بل تشمل أيضاً البعد الأمني، الذي يشكل أحد أعمدة الدولة الحديثة. وفي هذا المجال، تضطلع المديرية العامة للأمن الوطني بدور يتجاوز حفظ النظام العام، إذ توفر معطيات ميدانية وإحصائية تساعد السلطات العمومية على فهم تطور الجريمة، والسلامة الطرقية، والتحولات الاجتماعية ذات الصلة بالأمن الحضري. وتتحول هذه المعلومات، في كثير من الأحيان، إلى عنصر من عناصر بناء السياسات العمومية المتعلقة بالأمن، والوقاية، والحماية المدنية، وحتى التخطيط الحضري.

ويبرز كذلك الدور الذي تؤديه المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني في مجال الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة. فالعمل الاستخباراتي لا يقتصر على التدخل الأمني، بل يساهم أيضاً في توفير التقييمات الاستراتيجية التي تساعد الدولة على استباق المخاطر وحماية الاستقرار، وهو ما يجعل المعلومات الأمنية أحد مكونات عملية اتخاذ القرار في الملفات الحساسة.

أما المديرية العامة للدراسات والمستندات، باعتبارها جهازاً مختصاً بالاستخبارات الخارجية، فتساهم في تزويد صناع القرار بتقديرات وتحليلات حول التطورات الإقليمية والدولية، والتهديدات العابرة للحدود، والتحولات الجيوسياسية، بما يساعد على بلورة المواقف المرتبطة بالسياسة الخارجية والأمن القومي. وفي عالم تتداخل فيه الأبعاد الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية، أصبحت المعلومة الاستخباراتية مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن المعطيات الاقتصادية أو القانونية.

ويؤدي الدرك الملكي بدوره وظيفة محورية في هذه المنظومة، بحكم اختصاصه في الأمن بالمجال القروي، وتأمين الطرق، والشرطة القضائية ضمن نطاق اختصاصه، ومكافحة عدد من أشكال الجريمة المنظمة والتهريب والهجرة غير النظامية. كما أن انتشاره الترابي الواسع يجعله مصدراً مهماً للمعطيات الميدانية التي تساهم في تشخيص عدد من الظواهر الأمنية والاجتماعية ذات الصلة بصنع السياسات العمومية.

ولا ينبغي أن يُفهم من ذلك أن الأجهزة الأمنية أو الاستخباراتية تصنع القرار السياسي، فلكل مؤسسة اختصاصاتها المحددة بموجب القانون. غير أن القرار العمومي الرشيد لا يمكن أن يُبنى على الحدس أو الانطباعات، بل يحتاج إلى معلومات دقيقة، وتحليلات موثوقة، وتقديرات للمخاطر. ومن هنا، فإن دور هذه المؤسسات يكمن أساساً في إنتاج المعرفة الأمنية والاستراتيجية التي يعتمد عليها صناع القرار عند التعامل مع القضايا ذات البعد الوطني أو الإقليمي أو الدولي.

وإلى جانب هذه المؤسسات، يشارك فاعلون آخرون في تشكيل القرار العمومي. فالقطاع الخاص، من خلال الاتحاد العام لمقاولات المغرب والمنظمات المهنية، يساهم في بلورة بعض السياسات الاقتصادية والاستثمارية. كما تؤدي النقابات، والجماعات الترابية، والمجتمع المدني، والجامعات، ومراكز البحث، أدواراً متفاوتة في نقل المطالب، وإنتاج الدراسات، وتقديم المقترحات، بما يجعل القرار العمومي نتيجة تفاعل بين مستويات متعددة، وليس مجرد قرار إداري يصدر من الأعلى.

ولعل خير مثال على هذا التداخل هو ورش تعميم الحماية الاجتماعية. فهذا المشروع لم يكن نتاج وزارة واحدة، بل شاركت فيه المؤسسة الملكية، والحكومة، والبرلمان، ووزارة الاقتصاد والمالية، ووزارة الصحة، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وعدد من الهيئات التقنية والتنظيمية. والأمر نفسه ينطبق على إصلاح التعليم، أو الاستراتيجية الصناعية، أو تدبير قضية الصحراء المغربية، حيث تتقاطع الاختصاصات بين المؤسسات الدستورية، والإدارية، والأمنية، والدبلوماسية، والاقتصادية.

إن الصورة التي تقدمها هذه الأمثلة تختلف كثيراً عن التصور التقليدي للدولة. فالمغرب لم يعد يدار عبر مركز واحد يحتكر إنتاج القرار، وإنما عبر شبكة مؤسساتية متكاملة تتبادل المعلومات، وتوزع الاختصاصات، وتتكامل أدوارها ضمن الإطار الدستوري والقانوني.

ويظل نجاح هذه المنظومة رهيناً بقدرتها على تحسين التنسيق بين مكوناتها، وتسريع تنفيذ السياسات، وتعزيز تقييم نتائجها، وضمان انسجامها مع الأهداف الاستراتيجية للدولة.

ولهذا، فإن السؤال الاستراتيجي في مغرب القرن الحادي والعشرين لم يعد سؤالا عن هوية صانع القرار العمومي في المغرب، كما أن الجواب لم يعد اسماً أو مؤسسة واحدة. بل أصبح السؤال الأهم هو الذي يتصدى لكيفية تفاعل مؤسسات الدولة المختلفة في ما بينها من أجل صياغة قرار عمومي أكثر فعالية.

فكلما ارتفعت جودة التنسيق بين هذه المؤسسات، وارتكز القرار على المعرفة والخبرة والتقييم المستمر، ازدادت قدرة الدولة على مواجهة التحديات وتحويل السياسات العمومية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. وربما هنا تحديداً تكمن إحدى أهم سمات المغرب المعاصر، حيث أن صناعة القرار لم تعد عملاً فردياً، بل أصبحت عملاً مؤسساتياً بامتياز.

المصدر: منصة رهانات

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button