أخبارالرئيسيةفي الصميممغاربة العالم

المغرب بمنطق الدولة: كيف تصنع الذاكرة السياسية مشروعا حديثا؟

ألمانيا- منير لكماني

لا تقرأ التحولات التي يعرفها المغرب اليوم قراءة دقيقة إذا عزلت عن الخلفية التاريخية التي أنتجت طريقته في الحكم والتخطيط. فالمسألة لا تتعلق فقط بإطلاق مشاريع كبرى أو تحديث مرافق إقتصادية، بل بقدرة الدولة على تحويل الزمن إلى عنصر من عناصر السياسة. وهنا تكمن خصوصية التجربة المغربية: إنها لا تتعامل مع التنمية بوصفها رد فعل على ظرف إقتصادي عابر، بل بإعتبارها بناء متدرجا لموقع وطني داخل عالم سريع التحول.

في كثير من التجارب الحديثة، تقاس السياسات العمومية بنتائجها المباشرة: كم منصب شغل أحدث؟ كم كيلومترا من الطرق شيد؟ كم إرتفعت المؤشرات؟ وهذه أسئلة مشروعة، لكنها لا تكفي وحدها لفهم المسارات العميقة. فهناك دول تنجز كثيرا من البنى دون أن تصنع إتجاها عاما، ودول أخرى تنجح لأنها تربط بين الإقتصاد، والمعرفة، والمجال، والسيادة، ضمن رؤية متماسكة. المغرب ينتمي، في جزء مهم من إختياراته الحديثة، إلى الصنف الثاني.

لقد تشكلت الدولة المغربية عبر تاريخ طويل لم يكن فيه الإستمرار تفصيلا ثانويا، بل شرطا للوجود. فقد وجد المغرب، بحكم موقعه وتركيبته الإجتماعية وصلاته الخارجية، في فضاء مفتوح على التنافس والتبادل والضغط. ومن ثم لم يكن ممكنا إدارة البلاد بمنطق اللحظة فقط. كان لا بد من قدرة على الموازنة، وعلى حماية الداخل دون الإنغلاق، وعلى التعامل مع الخارج دون الذوبان فيه. هذه الخبرة التاريخية تركت أثرا واضحا في طريقة تصور الدولة لدورها: فهي لا ترى نفسها مجرد جهاز إداري، بل إطارا ضامنا للإستقرار ومنتجا للإتجاه.

من هنا يمكن فهم الطابع المركب للإختيارات المغربية الراهنة. فالإستثمار في الموانئ والمناطق الصناعية لا يهدف فقط إلى تحسين البنية الإقتصادية، بل إلى إدخال البلاد في شبكات إنتاج وتبادل أكثر تعقيدا. وتوسيع البنيات السككية والطرقية لا يتعلق بتقريب المسافات فحسب، بل بإعادة توزيع الفرص داخل المجال الوطني. أما الإهتمام بالطاقات الجديدة، وتدبير الماء، والتكوين العلمي والتقني، فيكشف إدراكا مبكرا بأن قوة الدول في القرن الحادي والعشرين لن تقاس فقط بما تملكه من موارد، بل بما تستطيع تنظيمه وتثمينه وحمايته.

الأهم في هذه التجربة أن عناصرها لا تعمل منفصلة. فالميناء لا يخلق قيمة كبرى إذا لم تحيط به صناعة وخدمات وكفاءات. والجامعة لا تصبح فاعلة بمجرد وجودها، بل حين تنفتح على المقاولة والبحث التطبيقي والحاجات الإجتماعية. والإنتقال الطاقي لا يكتمل بإنشاء محطات إنتاج، بل حين يتحول إلى رافعة للتنافسية والإستقلال النسبي وتقليص الكلفة الإستراتيجية. بهذا المعنى، لا تكمن قيمة المشروع المغربي في حجم كل ورش على حدة، بل في قدرة الدولة على وصل الأوراش بعضها ببعض.

غير أن أي قراءة جادة لا ينبغي أن تكتفي بالإشادة. فنجاح النموذج يظل رهينا بقدرته على تحويل الطموح الوطني إلى أثر إجتماعي ملموس. التنمية لا تكتمل حين تبدو قوية في الخرائط والتقارير، بل حين تترجم إلى مدرسة أفضل، وإدارة أنجع، وفرص أوسع للشباب، وتوازن أكبر بين الجهات، وثقة أقوى بين المواطن والمؤسسات. هنا يوجد الإمتحان الحقيقي لأي مشروع تحديثي: أن لا يبقى في مستوى البنية، بل أن يصل إلى الإنسان.

ومع ذلك، فإن ما يميز المسار المغربي هو إمتلاكه فكرة ناظمة. فالبلاد لا تتحرك كما لو أنها تكتشف المستقبل لأول مرة، بل كما لو أنها تعيد صياغة خبرة قديمة بأدوات جديدة. إنها تستثمر في الجغرافيا، لكنها لا تكتفي بها. وتستحضر التاريخ، لكنها لا تسجن نفسها داخله. وتسعى إلى الإندماج في الإقتصاد العالمي، دون أن تفقد هاجس القرار الوطني.

لذلك فإن فهم المغرب المعاصر يقتضي النظر إلى ما وراء المشهد المرئي. فالطرق، والموانئ، والجامعات، ومشاريع الطاقة، ليست مجرد علامات تحديث، بل أدوات في هندسة أوسع لموقع الدولة. وما يبدو في الظاهر تسارعا إقتصاديا هو في العمق تعبير عن ثقافة سياسية تعرف أن المستقبل لا ينال بالخطاب، ولا يصنع بالإرتجال، بل بالتراكم، والمؤسسات، وحسن ترتيب الأولويات.

إن قوة التجربة المغربية لا تكمن في أنها تعد بالمستقبل، بل في أنها تحاول أن تبني شروطه. وتلك، في عالم مضطرب، ليست مسألة تقنية فقط، بل فعل سياسي عميق: أن تمتلك الدولة ذاكرة كافية كي لا تبدأ من الصفر، وجرأة كافية كي لا تظل أسيرة الماضي.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button