قصة..حين تحول الفرح إلى رماد

كانت شيماء كالوردة المتألقة بجمالها الرائع في القصر الساحر المطل على الطبيعة الخلابة. كان فستانها أزرق سماوياً ساحراً، وعيناها عسليتين جميلتين، وشعرها كالحرير، وعودها رشيقاً، وابتسامتها آسرة. كانت شيماء فتاة رائعة الجمال وأنيقة.
كان الجميع في حالة من السرور، حيث اختاروا موعد العرس بعد الظهر. بدا زياد كبطلٍ وفارسٍ يرتدي بدلة جذابة وأنيقة، ويمسك خاتم الزواج في يده. وما إن ظهر حتى تجمعت حوله العائلة وعائلة شيماء، وفي مقدمتهم والدته التي ذرفت دموع الفرح واحتضنت ابنها زياد، أصغر أبنائها وقرة عينها وسندها في هذه الحياة. قبلته وضمته إلى صدرها، ثم سلمته لشيماء وأودعته رعايتها، فهو جزء من قلبها وروحها.

فجأة، دوى صوت هائل ومؤلم للقلب كصوت إعصار قوي، تلاه انفجار مروع أهلك الزرع ودمر القصر. بعد دقائق من الصمت المرعب، بدأت يد تزيح كتلة صخرية ضخمة؛ كانت يد شيماء. كانت في حالة يُرثى لها، تحرك رأسها يميناً ويساراً بذعر باحثة عن ذويها. قامت بصعوبة، والجروح تغطي جسدها، وسارت بوهن بين الأشلاء في كل مكان. بدأت شيماء في السير بسرعة فائقة بعد أن سمعت صدى بلور كبير يتكسر، وأمام عينيها كان مشهد الضحايا، وهو موقف فوق طاقة البشر.
لم تكن شيماء تفكر إلا في أهلها وأهل زياد وأحبابها، والدموع تجري على وجنتيها، تحاول جاهدة مسح فكرة أن أحبابها تركوها تواجه قسوة الأيام وحيدة. وجهت بصرها نحو الأطلال لبرهة، ثم اتجهت إلى الحجارة المنهارة من القصر. لمحت جثة، ومدت يداها تحتها بارتجاف، خائفة أن تلمس أحداً من الغالين عليها. بدأت في إزاحة الحجارة، وفجأة تجمدت كالجليد وكأنها صُعقت بالبرق؛ كان وجه شقيقها ماجد مشوهاً، وبدلته الأنيقة ملطخة بالدماء. لم تحتمل بشاعة المشهد وغابت عن الوعي، متمنية ألا تفتح عينيها مرة أخرى، ولكن هيهات، فليس كل ما يتمناه الإنسان يناله.
لم تمضِ سوى ساعات حتى أفاقت على مشهد يقشعر له البدن؛ كانت حولها الكثير من الجثث، والأرضية مغطاة بالدماء، والأطباء كخلية نحل يسابقون الزمن لإنقاذ الضحايا بفضل الله. انفصلت شيماء عن الواقع، وأجبرها المشهد على رؤية ما هو أصعب. نهضت شيماء لتكمل بحثها عن عائلتها وعائلة زياد، لكن ذاكرتها مشوشة، غير قادرة على نسيان وجه أخيها تحت الأنقاض. في المستشفى، أوقفوا نزيفها الظاهري، لكن فؤادها تهشم. سارت بين الأروقة المكتظة، وهي تدقق النظر فيما أمامها؛ هل هذا حلم؟ لا وألف لا. صرخت صرخة دوت في أرجاء المستشفى؛ إنها أمها، غارقة في دمائها، لا يوجد مكان في جسدها سليم، وفريق طبي يحاول إنعاشها بالصدمات الكهربائية، صدمة تلو الأخرى، وهنا صعدت روحها محلقة في السماء بعيداً عن هذا العالم القاسي إلى جنات النعيم.
لم تتحمل شيماء أكثر من ذلك؛ في يوم واحد فقدت أمها وأخاها في طرفة عين، ولا تعرف إن كان بقية أهلها وأهل زياد على قيد الحياة. لم تعد قادرة على الوقوف، فجلست واضعة رأسها بين كفيها، تسترجع أحداث اليوم كشريط سينمائي، مع كل محاولاتها للصراخ دون فائدة، فالصدمة كانت كفيلة بجعلها مُخرسة. والصدمة الأخرى كانت حين رأت أباها وزياد حبيبها وكل أهل زياد، واكتشفت أنهم جميعاً أصبحوا أشلاء. ومنذ تلك اللحظة، فقدت شيماء النطق إلى الأبد.



