Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

بين قهوة وحيرة.. فلسفة الصمت في فنجان

بقلم: ديمة الشريف تشرب قهوتها وعقلها في حيرة من أمور الدنيا.
يجلس المرء قبالة فنجانه كمن يجلس أمام مرآة روحه، غير أن المرآة هنا لا تعكس الملامح، بل تعكس الشتات.
في تلك اللحظات الفاصلة بين النهار والليل، أو بين الصمت والكلام، تتدثر امرأة بوعائها الدافئ، بينما يغلي في رأسها مرجل من الأسئلة التي لا تنتهي.
يرتفع بخار القهوة متعرجاً، متمرداً على جاذبية الأرض، كأنه يمثل تلك الأفكار الهاربة من سجن الصدر، أفكار تتشابك خيوطها لتصنع ضباباً كثيفاً يحجب الرؤية عن غدٍ غامض.
الحيرة ليست مجرد عجز عن الأختيار، بل هي ذروة الوعي بالوجود.
عندما تمسك بعبق ذلك الكوب، تدرك أن مرارة القهوة ليست عدواً، بل هي الشريك المخلص الوحيد لمرارة القرارات المعلقة.
كل رشفة دافئة تعبر حلقها، تبدو كهدنة مؤقتة تُعرض على قلبها المتعب، محاولة يائسة لتهدئة نبضات القلق التي تقرع جدران صدرها.
تسأل نفسها في حوار داخلي صامت:
هل كانت الخطوات السابقة صحيحة؟ هل زحام الأختيارات وفوضى المسميات في هذه الدنيا سرقا منا بساطة العيش وعفوية الدهشة الأولى؟
إننا نعيش في عالم يقدس السرعة والوضوح، ويجعل من التردد خطيئة. لكن أمام فنجان القهوة، يسقط هذا المنطق الزائف. تصبح الحيرة مساحة مشروعة للتأمل، وفرصة لالتقاط الأنفاس وسط ركض الحياة اللامحدود. في تلك العزلة الاختيارية، تضع كوبها جانباً وتوجه بصرها نحو الأفق البعيد، حيث تلتقي السماء بالأرض في خط وهمي، تماماً كالأجوبة التي تبحث عنها.
تدرك أخيرًا مع آخر رشفة تبرد في قاع الفنجان، أن الحيرة ليست نهاية الطريق بل هي وقود الرحلة.
الأجوبة العظيمة في هذه الدنيا لا تأتي معلبة ولا تولد مستعجلة؛ إنها تنضج على مهل، تحتاج إلى صمت عميق وتأمل طويل، تماماً كتلك القهوة التي لا يكتمل سحرها إلا إذا نضجت على نار هادئة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button