Hot eventsأخبارالحكومةالرئيسيةتقارير وملفات

المغرب وفرنسا.. من مصالحة سياسية إلى تحالف استراتيجي

لم تكن زيارة رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو إلى الرباط، على رأس وفد حكومي ضخم يضم اثني عشر وزيرًا، مجرد محطة دبلوماسية عادية في سجل العلاقات المغربية الفرنسية، بل بدت أقرب إلى إعلان سياسي عن نهاية مرحلة وبداية أخرى. فحين يختار رئيس حكومة فرنسية المغرب كأول وجهة خارجية له منذ توليه المنصب، وحين يغادر العاصمة المغربية محمّلًا بأربع عشرة اتفاقية للتعاون، فإن الرسالة تتجاوز لغة البروتوكول إلى لغة المصالح الاستراتيجية.

لقد شهدت العلاقات بين الرباط وباريس خلال السنوات الأخيرة لحظات من الفتور بسبب تباين المواقف حول عدد من الملفات، غير أن التحول الذي أعقب الاعتراف الفرنسي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية أعاد رسم معالم العلاقة بين البلدين. ومنذ ذلك الحين، لم تعد الدبلوماسية المغربية والفرنسية تتحدث عن “إعادة الدفء”، بل عن بناء شراكة جديدة تستجيب لتحولات عالم يتغير بسرعة، ويعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات.

ومن هذا المنطلق، جاءت الدورة الخامسة عشرة للاجتماع المغربي الفرنسي رفيع المستوى لتؤكد أن البلدين انتقلا من مرحلة ترميم الثقة إلى مرحلة بناء المستقبل.

اتفاقيات تتجاوز الأرقام

قد تبدو أربع عشرة اتفاقية رقمًا مهمًا في حد ذاته، لكنها لا تعكس وحدها حجم التحول الجاري. فهذه الاتفاقيات تغطي قطاعات استراتيجية تشمل الطاقة، والمياه، والبنيات التحتية، والنقل، والطيران المدني، والتعليم العالي، والبحث العلمي، والثقافة، والتعاون الأمني والمؤسساتي، وهي قطاعات لا ترتبط بإدارة الحاضر فقط، بل برسم ملامح الاقتصاد المغربي لعقود قادمة.

ويبرز ضمن هذه المشاريع الطموحة مشروع الربط الكهربائي المباشر بين المغرب وفرنسا، الذي يُعد خطوة غير مسبوقة نحو دمج المملكة في منظومة الأمن الطاقي الأوروبي. فالمغرب، الذي استثمر خلال السنوات الأخيرة بشكل مكثف في الطاقات المتجددة، لم يعد يُنظر إليه باعتباره مستوردًا للطاقة فقط، بل أصبح مرشحًا ليكون مصدرًا للطاقة النظيفة نحو أوروبا، في ظل التحولات التي فرضتها الأزمات الدولية والحاجة إلى تنويع مصادر الإمداد.

كما تعكس الاتفاقيات الموقعة رغبة فرنسية واضحة في تعزيز حضورها الاقتصادي داخل المملكة، خاصة في المشاريع المرتبطة بالبنية التحتية، والنقل، والصناعة، والاقتصاد الرقمي، استعدادًا للاستحقاقات الكبرى التي تنتظر المغرب، وفي مقدمتها تنظيم كأس العالم 2030.

المغرب… شريك لا غنى عنه

تدرك باريس اليوم أن المغرب لم يعد ذلك الشريك التقليدي الذي تقتصر أهميته على الجوار الجغرافي أو الروابط التاريخية.

فالمملكة أصبحت قوة إقليمية صاعدة، تتمتع باستقرار سياسي ومؤسساتي، وتمتلك رؤية اقتصادية واضحة، وتحولت إلى منصة صناعية ولوجستية تربط أوروبا بإفريقيا، وإلى فاعل مؤثر في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب والطاقة.

ولهذا، فإن فرنسا لا تبحث فقط عن تعزيز استثماراتها في المغرب، بل عن تثبيت موقعها داخل فضاء جيوسياسي يشهد تنافسًا متزايدًا بين القوى الدولية، سواء الأوروبية أو الأمريكية أو الآسيوية.

وفي المقابل، يواصل المغرب تنويع شراكاته الدولية دون التخلي عن شركائه التاريخيين، وفق رؤية تقوم على الندية، واحترام السيادة، وتحقيق المصالح المشتركة.

معاهدة قد تعيد كتابة تاريخ العلاقات

لكن ما يلفت الانتباه أكثر من الاتفاقيات نفسها، هو ما يتم تداوله بشأن الإعداد لمعاهدة استراتيجية غير مسبوقة، يرتقب توقيعها خلال زيارة دولة مرتقبة، بحضور صاحب الجلالة الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وإذا ما تأكد هذا التوجه، فإن الأمر لن يتعلق باتفاقية تعاون جديدة فحسب، بل بوثيقة سياسية كبرى قد تؤسس لأعلى مستوى من الشراكة بين البلدين منذ استقلال المغرب.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه المعاهدة ستؤطر التعاون في مجالات السياسة الخارجية، والدفاع، والأمن، والاستثمار، والطاقة، والابتكار، والبحث العلمي، إضافة إلى التنسيق بشأن القضايا الإقليمية، خاصة في إفريقيا والفضاء المتوسطي.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها قد تجعل العلاقة المغربية الفرنسية تنتقل من منطق التعاون القطاعي إلى منطق التحالف الاستراتيجي المستدام، وهو تحول نادر في العلاقات الدولية، ولا يتحقق إلا بين الدول التي تتقاطع مصالحها ورؤاها على المدى البعيد.

رسالة إلى أوروبا… وإلى إفريقيا

لا يمكن قراءة هذا التقارب بمعزل عن السياق الدولي الراهن.

فأوروبا تبحث عن شركاء موثوقين في جنوب المتوسط لمواجهة تحديات الأمن والهجرة والطاقة، بينما يعزز المغرب حضوره الاقتصادي والسياسي في القارة الإفريقية عبر استثمارات وشراكات تمتد من غرب القارة إلى شرقها.

ومن هنا، تبدو الرباط اليوم نقطة التقاء بين أوروبا وإفريقيا، وجسرًا للتعاون بين الشمال والجنوب، وهو ما يمنح هذه الشراكة مع فرنسا بعدًا يتجاوز العلاقات الثنائية ليطال التوازنات الإقليمية برمتها.

أكثر من زيارة… بداية مرحلة

قد تُنسى تفاصيل كثير من الزيارات الرسمية مع مرور الوقت، لكن بعض الزيارات تتحول إلى علامات فارقة في تاريخ العلاقات بين الدول.

وزيارة الوفد الفرنسي إلى الرباط تبدو مرشحة لأن تكون واحدة من تلك المحطات.

فهي لم تنتج اتفاقيات اقتصادية فقط، بل أطلقت دينامية سياسية جديدة، ورسخت قناعة مشتركة بأن مستقبل العلاقات المغربية الفرنسية لن يُبنى على إرث الماضي وحده، بل على رهانات المستقبل.

أما إذا تُوجت هذه الدينامية بتوقيع المعاهدة الاستراتيجية المنتظرة بحضور جلالة الملك محمد السادس والرئيس إيمانويل ماكرون، فإن التاريخ قد يسجل أن صيف 2026 لم يكن مجرد موعد لتوقيع اتفاقيات، بل كان لحظة ميلاد واحدة من أهم الشراكات التي عرفتها الضفة الغربية للمتوسط في القرن الحادي والعشرين.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button