لو حكى لي الوطن.. حين تصبح الحكاية ذاكرة أمة لا تموت

هناك أوطان تُعرَف بحدودها، وأخرى تُعرَف بحكاياتها. والمغرب، في عمقه الإنساني والحضاري، ليس مجرد خرائط ومدن وطرقات، بل هو ذاكرة تمشي على أقدام الناس، وتتنفس في الأسواق العتيقة، وتختبئ في لهجات الجدات، وتولد كل مساء حول فنجان شاي وحكاية.
لهذا يبدو المهرجان الدولي لمغرب الحكايات، الذي تدير إدارته الدكتورة نجيمة طاي طاي غزالي على مدى ثلاثة عقود وهو يرفع شعار “لو حكى لي الوطن”, كأنه يفتح بابًا سريًا بين الأرض والذاكرة، بين الإنسان وماضيه، بين الحاضر وما تبقى من دفء الحكايات القديمة.
الحكاية ليست تسلية.. بل هوية
في زمنٍ تُختزل فيه الحياة في مقاطع قصيرة، وتُقاس فيه القيمة بعدد المشاهدات، يأتي هذا المهرجان ليذكرنا بأن أعظم ما ورثناه لم يُكتب في الكتب وحدها، بل رُوي شفهيًا من قلب إلى قلب.
الحكاية المغربية لم تكن يومًا مجرد وسيلة للترفيه؛ بل كانت مدرسة للأخلاق، ودفترًا للتاريخ، وخزانًا للحكمة الشعبية. منها تعلم الأطفال معنى الشجاعة، ومنها عرفوا قيمة الكلمة، ومنها أدركوا أن الوطن ليس شعارًا يُرفع، بل قصة طويلة يشارك الجميع في كتابتها.
وحين يقول المهرجان “لو حكى لي الوطن”, فإنه لا يسأل سؤالًا أدبيًا فحسب، بل يستفز ذاكرتنا الجماعية: ماذا سيقول لنا المغرب لو جلس بيننا حكّاءً؟
ربما سيحدثنا عن الناس قبل المعالم
لن يبدأ الوطن حديثه بالقصور والأسوار، بل بالوجوه التي صنعت المعنى. سيحكي عن الفلاح الذي زرع الأمل في أرض قاسية، وعن المرأة التي حفظت الأغاني الشعبية كما تحفظ الأمهات أسماء أبنائهن، وعن الطفل الذي كان يطارد أحلامه في أزقة المدن العتيقة.
سيحكي عن القوافل التي عبرت الصحراء، وعن المدن التي فتحت أبوابها للثقافات المختلفة، وعن شعب استطاع أن يحول التنوع إلى ثروة، والاختلاف إلى انسجام.
وهنا تكمن عبقرية المهرجان: فهو لا يعرض الحكايات بوصفها تراثًا جامدًا، بل يعيد إليها الحياة، ويجعلها تتنفس من جديد أمام جمهور يبحث – ربما دون أن يدري – عن جزء من نفسه.
الحكّاء.. آخر مقاومي النسيان
في كل دورة من هذا المهرجان، لا يصعد الحكّاء إلى المنصة باعتباره فنانًا فقط، بل باعتباره حارسًا للذاكرة. إنه يحمل على كتفيه ما عجزت عنه كثير من المؤسسات: حفظ الروح الشعبية من التبخر.
الكاميرات تحفظ الصورة، والكتب تحفظ النص، لكن الحكّاء وحده يحفظ النبرة، والدهشة، والضحكة، والصمت الذي يسبق الجملة المؤثرة.
ولهذا فإن اختفاء الحكاية الشفوية لا يعني فقدان شكل من أشكال الفن، بل فقدان طريقة كاملة في فهم العالم.
قوة ناعمة بنكهة مغربية
ليس من المبالغة القول إن المهرجان الدولي لمغرب الحكايات يقدم للمغرب واحدة من أجمل صور قوته الناعمة. فالدول الكبرى لا تُقاس فقط بما تملكه من اقتصاد وسلاح، بل أيضًا بما تملكه من قدرة على سرد قصتها للعالم.
وحين يجتمع حكاؤون من ثقافات مختلفة تحت سقف واحد، يصبح المغرب فضاءً للحوار الإنساني، وتتحول الحكاية إلى جواز سفر لا يحتاج إلى تأشيرة.
إنها دبلوماسية من نوع آخر: دبلوماسية القلب والخيال والذاكرة.
الوطن الذي يُروى يبقى حيا
أجمل ما في هذا المهرجان أنه يوجه رسالة صامتة إلى الأجيال الجديدة: لا تتركوا حكاياتكم تموت. فالأوطان التي تحفظ قصصها تستطيع أن تواجه المستقبل بثقة، أما الأوطان التي تنسى روايتها الخاصة، فإنها تترك الآخرين يكتبونها عنها.
لذلك، حين تنطفئ أضواء المهرجان، تبقى الفكرة مضيئة: أن الوطن ليس فقط ما نراه، بل ما نرويه.
ولو حكى لنا الوطن فعلًا، فربما سيقول: احفظوا حكاياتي.. ففيها وجهي الحقيقي.
وهذه، في النهاية، ليست رسالة مهرجان فحسب، بل وصية وطن بأكمله.



