Hot eventsأخبارأخبار سريعةسياسة

حزب التقدم والاشتراكية .. من السرية والمنع إلى الحكومة والمعارضة

السعيدية: نزيهة مشيش

من الحزب الشيوعي إلى التقدم والاشتراكية.. أكثر من ثمانية عقود في مسار اليسار المغربي
من رحم الحركة الشيوعية المغربية، وفي سياق سياسي طبعته مقاومة الاستعمار ثم معارك بناء الدولة الوطنية والديمقراطية، تشكل المسار التاريخي لحزب التقدم والاشتراكية، الذي يعد واحداً من أعرق الأحزاب السياسية المغربية. فمنذ سنة 1943، مروراً بمحطات المنع وإعادة التأسيس، وصولاً إلى المشاركة الحكومية ثم العودة إلى المعارضة، ظل الحزب حاضراً في قلب التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفها المغرب.


تعود الجذور التاريخية لحزب التقدم والاشتراكية إلى الحزب الشيوعي المغربي الذي تأسس سنة 1943، في مرحلة كانت البلاد ترزح تحت نظام الحماية. وقد ارتبطت بدايات هذا التيار بالنضال ضد الاستعمار والدفاع عن الاستقلال، قبل أن يتطور حضوره داخل المجتمع المغربي ويصبح جزءاً من المشهد السياسي الوطني.
غير أن الطريق لم يكن سهلاً أمام هذا التيار السياسي؛ إذ تعرض الحزب الشيوعي المغربي للمنع خلال فترة الحماية، ثم واجه المنع من جديد بعد استقلال المغرب، في سياق سياسي اتسم بتوتر العلاقة بين السلطة وبعض مكونات اليسار.
وفي خضم هذه الظروف، برز اسم علي يعتة كواحد من أبرز الوجوه التاريخية للحركة الشيوعية واليسارية المغربية. وفي سنة 1968، تأسس حزب التحرر والاشتراكية بقيادته، في محاولة لإعادة بناء التنظيم السياسي لهذا التيار، غير أن الحزب سرعان ما واجه بدوره التضييق والمنع.
وبعد سنوات من العمل السياسي الصعب، جاءت سنة 1974 لتشكل محطة مفصلية، مع ظهور حزب التقدم والاشتراكية باسمه الحالي وحصوله على الاعتراف القانوني. ومنذ ذلك التاريخ، دخل الحزب مرحلة جديدة حاول خلالها الانتقال تدريجياً من مرجعيته الشيوعية السابقة نحو تصور اشتراكي أكثر انفتاحاً على العمل المؤسساتي والديمقراطي.
علي يعتة.. الرجل الذي طبع مرحلة التأسيس
ارتبط اسم علي يعتة ارتباطاً وثيقاً بتاريخ الحزب، فقد قاد حزب التقدم والاشتراكية منذ تأسيسه سنة 1974 إلى غاية وفاته سنة 1997.
وخلال هذه المرحلة، حافظ الحزب على خط سياسي يركز على العدالة الاجتماعية، والديمقراطية، والحريات، والدفاع عن الفئات الشعبية والطبقة العاملة، مع السعي إلى تثبيت موقعه داخل المؤسسات السياسية والمنتخبة.
كما شكلت الصحافة والإعلام جزءاً مهماً من تجربة علي يعتة، الذي كان صحفياً وسياسياً، وهو ما جعل الصحافة الحزبية إحدى أدوات التعبير عن مواقف الحزب والدفاع عن اختياراته السياسية والفكرية.
من إسماعيل العلوي إلى نبيل بنعبد الله
بعد وفاة علي يعتة، دخل الحزب مرحلة جديدة من تاريخه، برز خلالها إسماعيل العلوي كأحد أبرز قياداته، في فترة كان فيها اليسار المغربي عموماً يعيش تحولات عميقة مرتبطة بتغير المشهد السياسي والاجتماعي وطنياً ودولياً.
وفي سنة 2010، انتقل الحزب إلى مرحلة قيادية جديدة مع انتخاب محمد نبيل بنعبد الله أميناً عاماً خلال المؤتمر الوطني الثامن.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبح بنعبد الله الشخصية السياسية الأبرز في قيادة الحزب، قبل أن تتم إعادة انتخابه في مؤتمرات لاحقة، من بينها المؤتمر التاسع سنة 2014، والعاشر سنة 2018، والحادي عشر سنة 2022.
من المعارضة إلى الحكومة.. ثم العودة إلى المعارضة
شهدت مرحلة نبيل بنعبد الله تحولاً مهماً في موقع الحزب داخل الخريطة السياسية المغربية، بعدما انتقل من المعارضة إلى المشاركة في تدبير الشأن الحكومي.
فقد شارك حزب التقدم والاشتراكية في الحكومة التي قادها حزب العدالة والتنمية، وتولى عدد من قيادييه حقائب وزارية، من بينها قطاعات مرتبطة بالاتصال والإعلام والسكنى والتعمير وسياسة المدينة.
وكانت هذه المشاركة اختباراً سياسياً مهماً للحزب، إذ انتقل من موقع القوة اليسارية التي ترفع مطالب اجتماعية وسياسية إلى موقع يتحمل مسؤولية تدبير قطاعات حكومية واتخاذ قرارات مرتبطة بالسياسات العمومية.
غير أن تجربة المشاركة الحكومية لم تدم إلى ما لا نهاية، ليعود الحزب لاحقاً إلى صفوف المعارضة، حيث ركز خطابه على قضايا العدالة الاجتماعية، والقدرة الشرائية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، والدفاع عن الديمقراطية والحريات.
أكثر من ثمانية عقود من التحولات
يقدم تاريخ حزب التقدم والاشتراكية نموذجاً لتيار سياسي عرف تحولات عميقة في هويته وموقعه داخل الدولة والمجتمع.
فالحزب الذي انطلق من الحركة الشيوعية المغربية في أربعينيات القرن الماضي، مر عبر محطة حزب التحرر والاشتراكية، قبل أن يستقر سنة 1974 تحت اسم حزب التقدم والاشتراكية، ليخوض بعد ذلك تجربة العمل المؤسساتي والمشاركة البرلمانية والحكومية.
وبذلك يمكن قراءة مساره التاريخي باعتباره انتقالاً من الشيوعية إلى الاشتراكية، ومن العمل في ظل المنع إلى العمل المؤسساتي، ومن المعارضة إلى المشاركة في الحكومة ثم العودة إلى المعارضة.
وفي سنة 2026، يواصل الحزب بقيادة محمد نبيل بنعبد الله حضوره في المشهد السياسي المغربي، مقدماً نفسه باعتباره قوة يسارية تقدمية تدافع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق، وتطرح «البديل الديمقراطي التقدمي».
وبين البدايات الصعبة في أربعينيات القرن الماضي والحاضر، لا تبدو قصة حزب التقدم والاشتراكية مجرد تاريخ حزب سياسي، بل هي أيضاً جزء من تاريخ اليسار المغربي وتحولاته، ومن علاقة السياسة بالمجتمع والدولة، ومن الصراع المستمر حول الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
فمن 1943 إلى 2026، تغيرت الأسماء والظروف والمواقع السياسية، لكن السؤال الذي ظل حاضراً في مسار الحزب هو نفسه تقريباً: كيف يمكن لليسار أن يحافظ على مبادئه الاجتماعية والديمقراطية، وفي الوقت ذاته يمارس السياسة داخل المؤسسات ويؤثر في القرار العمومي؟
وهو سؤال لا يختصر تاريخ حزب التقدم والاشتراكية فحسب، بل يلخص أيضاً جانباً مهماً من مسيرة اليسار المغربي خلال أكثر من ثمانية عقود.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button