
بقلم :أنس زيزي
أعاد مشهد النزوح الجماعي نحو سبتة المحتلة إلى الواجهة أسئلة عميقة تتجاوز الصور المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، وتفرض على الجميع وقفة تأمل ومسؤولية.
فالسؤال الحقيقي ليس كيف وصلت هذه الحشود إلى الحدود الوهمية؟ بل لماذا حدث ذلك في هذه الظرفية بالذات؟ وما العوامل التي دفعت هذا العدد من الشباب إلى المجازفة بحياتهم ومستقبلهم؟
إن مثل هذه الأحداث لا ينبغي أن تقرأ بمنطق الانفعال أو التوظيف، ولا يجوز اختزالها في سبب واحد أو تحميل المسؤولية لطرف واحد، فهي ظاهرة مركبة تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية وتربوية وثقافية وإعلامية، وتستوجب نقاشا وطنيا هادئا ومسؤولا؛ وما يحز في النفس أن بعض شبابنا أصبح أكثر عرضة للتأثر بالإشاعات والدعوات مجهولة المصدر والمحتويات التي تنتشر بسرعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، دون التحقق من صحتها أو إدراك عواقبها، فيتحول في بعض الأحيان إلى ضحية للأوهام، بينما يدفع وحده الثمن.
والحقيقة التي يجب الاعتراف بها هي أن الجميع يتحمل المسؤولية. فالأسرة مسؤولة عن التربية وغرس قيم الانتماء، والمدرسة عن بناء الوعي والتفكير النقدي، والدولة عن تعزيز التنمية وتوسيع فرص الشغل والاستثمار، والمجتمع عن احتضان شبابه والاستماع إلى تطلعاتهم.
كما تتحمل الأحزاب السياسية مسؤولية دستورية وأخلاقية في تأطير المواطنين خاصة الشباب، غير أن تراجع دور عدد من الأحزاب في التأطير والتكوين والتواصل الميداني خلق فراغا استغلته خطابات شعبوية ومحتويات رقمية سريعة التأثير، بعيدة عن النقاش الرصين والمسؤول، كما أن النقابات وجمعيات المجتمع المدني مطالبة هي الأخرى باستعادة أدوارها في التوعية والتأطير والمواكبة.
ولا يمكن إغفال مسؤولية المشهد الإعلامي فكلما ضعفت الصحافة الجادة والمهنية التي تقوم على التحقيق والتحليل وخدمة الحقيقة وارتفعت في المقابل أسهم صحافة الإثارة والتفاهة وتضخم تأثير بعض المؤثرين الذين يصنعون الرأي العام دون تكوين إعلامي أو إحساس بالمسؤولية، أصبح المواطن أكثر عرضة للإشاعة والتضليل وأصبح الوعي الجماعي أكثر هشاشة؛ إن المجتمع الذي يهمش الصحافة الرصينة، ويكافئ المحتوى السطحي يدفع ثمن ذلك في وعي أجياله.
لكن، وفي خضم هذا النقاش يجب ألا نغفل حقيقة أساسية، وهي أن المغرب اليوم ليس دولة منهكة بل هو دولة صاعدة، اختارت مسار الإصلاح والاستقرار، وحققت خلال السنوات الأخيرة إنجازات استراتيجية في البنية التحتية، والصناعة، والطاقات المتجددة، والاستثمار، والدبلوماسية، والأمن، وأصبحت شريكا موثوقا على المستويين الإقليمي والدولي.



