كيف سيثق المواطن بالسياسيين إذا كان الملك لا يثق بهم؟

لقد بات واضحا أن الأزمة الذي يعيشها المغرب اليوم، هي أزمة أحزاب سياسية فاعلة ومسؤولة وجادة في تعاملها مع القضايا المجتمعية والانشغال بمشاكل وانشغالات وهموم المواطنين.
لقد فقدت الأحزاب السياسية بوصلتها، عندما غيبت دورها البارز وهدفها المنشود المتمثل في التأطير، تأطير المواطنين وفي مقدمتهم الشباب. وانشغلت بالمناصب وتحقيق المرتبة الأولى للوصول الى مقعد القيادة والتحكم والسيطرة، ولو كان ذلك على حساب المواطنين. هذه الأساليب كانت سببا كافيا في تراجع منسوب ثقة المواطنين، ومنهم الشباب، في الأحزاب السياسية التي نجحت في تكريس الأزمة أكثر من إيجاد حلول جذرية لها، وما خرجة جيل Z للاحتجاج، وهجرة الحشود من الشباب الى مدينة سبتة المحتلة إلا صور دلالية تؤكد فشل الاحزاب السياسية خصوصا المسؤولة عن تدبير الشأن العام في التعامل مع الملفات الكبرى، فكيف لأحزاب فشلت في إيجاد حل لمعضلة البطالة، وعمقت الفوارق الاجتماعية بين الطبقات الاجتماعية، وفشلت في إيجاد حلول لأزمة الغلاء والصحة والتعليم، أن تواجه هذه الاحتجاجات بحكمة ورزانة وقبل ذلك بحوار وتواصل جاد ومسؤول لتفادي التأويلات التي تصفها نفس هذه الأحزاب بالمزايدات السياسية.
إن ما يعيشه المواطن المغربي من معاناة مع هذه الأحزاب السياسية اليوم، سبق وأن تحدث عنه جلالة الملك محمد السادس في خطاب العرش المجيد الذي صادف الذكرى 18 لتربع الملك على عرش أسلافه المنعمين، حيث قال جلالته، ” إن اختياراتنا التنموية تبقى عموما صائبة، إلا أن المشكل يكمن في العقليات التي لم تتغير، وفي القدرة على التنفيذ والإبداع.
فالتطور السياسي والتنموي، الذي يعرفه المغرب، لم ينعكس بالإيجاب، على تعامل الأحزاب والمسؤولين السياسيين والإداريين، مع التطلعات والانشغالات الحقيقية للمغاربة.” وهذه الحقيقة المرة التي أصبحت تجسد على ارض الواقع، أن الأحزاب السياسية والمسؤولين السياسيين، لم تعد لهم القدرة والجرأة على حل مشاكل المواطنين بقدر ما أصبحوا يفكرون في حل مشاكلهم وينشغلون أكثر بانشغالاتهم ومصالحهم.
وأضاف الملك محمد السادس في خطابه، “فعندما تكون النتائج إيجابية، تتسابق الأحزاب والطبقة السياسية والمسؤولون، إلى الواجهة، للإستفادة سياسيا وإعلاميا، من المكاسب المحققة.
أما عندما لا تسير الأمور كما ينبغي، يتم الإختباء وراء القصر الملكي، وإرجاع كل الأمور إليه.” فعلا إنها الصورة التي عشناها ونعيشها اليوم أكثر، نجد الأحزاب السياسية تتسابق وتتهافت حول حصيلة الله أعلم بحقيقته، لكن في وقت الأزمة نجد هذه الأحزاب تختبئ وتلتزم الصمت عوض المواجهة وفتح قنوات التواصل، ليبقى الملجأ الأخير للمواطن هو الملك عاهل البلاد لكونه هو السند له أمام تغول وتجبر السياسيين.
وتبقى العبارة التاريخية التي تلاها جلالة الملك في خطابه هي قوله، “وإذا أصبح ملك المغرب، غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟” وهذا تحصيل حاصل، فأمام استمرار الازمات، لم يعد المواطن يثق تماما بأداء الأحزاب السياسية والمسؤولين السياسيين، لان هؤلاء غلبوا المصلحة الخاصة عن المصلحة العامة التي جاؤوا خصيصا لخدمتها، وهو ما أصبحنا نسمعه بتضارب المصالح والفراقشية.
ونختم بما ختم به الملك خطابه، حيث قال، ” لكل هؤلاء أقول :” كفى، واتقوا الله في وطنكم… إما أن تقوموا بمهامكم كاملة ، وإما أن تنسحبوا.
فالمغرب له نساؤه ورجاله الصادقون.”
كفانا منكم وكفانا من خطابكم التضليلي، وكفانا من تواجدكم، فقد فشلتم في مهامكم وأدائكم بل كنتم سببا في تعميق الأزمة وفي تناسل المشاكل والهموم، فأنتم لا تجسدون المسؤولية، لسبب واحد أن المسؤول يفتقد لأبسط شروط المسؤولية المتمثلة في الإنصات إلى انشغالات المواطنين.



