همسات السهر..سر الحفاوة

ألمانيا : منير لكماني
قال الله تعالى على لسان خليله إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾.
الحفاوة الإلهية ليست أن يعطيك الله كل ما تريد، وإنما أن يريد لك ما ينجيك، ولو خالف مرادك. فقد يجيء العطاء موافقا لهواك، ويجيء المنع موافقا لحكمته، وما وافق الحكمة أبقى أثرا مما وافق الرغبة.
من عرف الله في العطاء عرف نعمته، ومن عرفه في المنع عرف حكمته، ومن عرفه في الحالين تحرر من عبودية الحال، وصار قلبه مع المنعم لا مع النعمة، ومع المدبر لا مع صورة التدبير.
الحفاوة سابقة على الدعاء؛ فقد حفظك قبل أن تعرف الخطر، ولطف بك قبل أن تحسن السؤال، وصرف عنك من البلاء ما لم تعلم أنه كان مقبلا عليك. ترى ما نزل بك، ولا ترى أضعافه مما صرف عنك، فتحزن على القليل، وتغفل عن الكثير.
لو كشف لك سجل ما نجاك الله منه، لاستحييت من تضجرك مما أبقاه عليك. فإنك تعد المحن التي حضرت، ولا تحصي المصائب التي ماتت في الطريق قبل أن تبلغك، وتذكر ما فقدت، ولا تتأمل ما بقي محفوظا بين يديك.
ليس الشأن أن يرفع عنك البلاء، وإنما أن يرفع سلطان البلاء عن قلبك. فقد تكون المحنة قائمة، وتكون الروح في سعة، وقد تزول المحنة، ويبقى الاعتراض سجنا في الصدر.
في كل دمعة خفية دليل على أن لله سمعا لا يحتاج إلى صوت، وفي كل نجوى صامتة شاهد على أن القرب لا تحده المسافات. فما عجز لسانك عن قوله، بلغه افتقارك، وما لم تصغه الكلمات، حمله انكسار القلب.
قد تظن أن الإجابة تأخرت، وما تأخر إلا فهمك لصورها. فقد يجيبك الله بتغيير مطلوبك، أو بتطهير قلبك منه، أو بمنحك ما هو خير منه، أو بصرف شر كان مختبئا فيه. ليست الإجابة أن تأخذ ما سألت، بل أن تنال ما يصلحك.
من علامات الحفاوة أن يوقظك بعد غفلة، ويسترك بعد زلة، ويفتح لك باب الرجوع كلما أغلق الذنب في وجهك أبواب الرجاء. ولو أراد قطعك عنه، لما ألهمك الحنين إليه، ولا أوجعك ببعدك عنه.
رب معصية أورثت ذلا فكانت باب قرب، ورب طاعة أورثت عجبا فكانت باب حجاب. ليست العبرة بصورة العمل، وإنما بما يتركه في القلب؛ فما ردك إلى افتقارك نعمة، وما أقامك مع رؤية نفسك فتنة، وإن تلون بلون الطاعة.
إذا وجدت نفسك قائما بعد سقوط، فلا تقل: قمت، بل قل: أقامني. وإذا عبرت طريقا ظننته لا يعبر، فلا تقل: اهتديت، بل قل: هداني. وإذا بقي في قلبك رجاء بعد توالي الخيبات، فاعلم أن يد الحفاوة هي التي حفظته.
الغفلة ليست غياب الإحسان، وإنما غياب الشهود. فقد يعيش العبد في قلب اللطف، ثم يسأل: أين اللطف؟ وتحمله الرحمة، ثم يظن أنه قائم بنفسه. وما حجبك عن رؤية العناية إلا اشتغالك بصورة ما فقدت عما بقي لك من نعم.
كلما اتسعت المعرفة ضاق الاعتراض، لأن الاعتراض وليد النظر إلى ظاهر التدبير، والتسليم ثمرة الثقة بالمدبر. ومن عرف حسن اختيار الله له، استراح من عناء الاختيار عليه.
المعرفة ليست أن تفهم كل ما يجري، وإنما أن تطمئن إلى من يجريه. واليقين ليس أن ترى الطريق كله، بل أن تمضي وقلبك يعلم أن من هداك إلى أوله لن يضيعك في آخره.
فإذا تأخر الفرج، فلا تجعل التأخير حجة على غياب الرحمة. وإذا اشتد الطريق، فلا تظن أن المقصد قد ساء. فقد يطول السفر لعظم ما يعد لك، وقد يتأخر المطلوب حتى يتطهر القلب من استعجاله.
طوبى لمن قرأ ماضيه بعين الحفاوة، فرأى في سقوطه يدا أقامته، وفي تيهه نورا أعاده، وفي دمعه غيثا طهره، وفي منعه حفظا لم يدركه يوم المنع.
عندها تصير الآية سيرة قلب، ويغدو العمر كله شاهدا على أن العبد لم يكن وحده في ليلة، ولا منسيا في محنة، ولا متروكا في غفلة، وإنما كان اللطف يحيط به من وراء ستر الأسباب، وكان الله، في كل ما أعطى ومنع، وفي كل ما كسر وجبر: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾.



