صورة واحدة.. هل تعيد ترتيب أوراق المشهد السياسي بفاس؟

ليست كل الصور السياسية مجرد لحظة عابرة أمام عدسة الهاتف. بعض الصور تكتسب قيمتها من توقيتها، وأشخاصها، والسياق الذي ظهرت فيه. والصورة التي جمعت اليوم بين إدريس أبلهاض وحميد شباط بفاس تبدو من هذا النوع؛ صورة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل أكثر من سؤال سياسي في خلفيتها.
ففي الوقت الذي تعرف فيه الساحة الاستقلالية بفاس حركية مرتبطة بالاستعداد للانتخابات التشريعية المقبلة، وبعد تداول أخبار مرتبطة بالتزكيات والترشيحات، يأتي ظهور أبلهاض إلى جانب شباط ليعيد إلى الواجهة سؤالاً أساسياً: هل نحن أمام لقاء اجتماعي عابر، أم أمام رسالة سياسية غير مباشرة؟
أبلهاض وشباط.. لقاء بين مرحلتين؟
إدريس أبلهاض ليس اسماً عادياً داخل المعادلة النقابية والاستقلالية بفاس، فقد ظل مرتبطاً بالاتحاد العام للشغالين بالمغرب على مستوى المدينة، كما أن اسمه حضر خلال الأشهر الماضية في النقاش حول مستقبل الذراع النقابي للحزب بفاس.
أما حميد شباط، فيحمل اسماً أكثر من مجرد صفة سياسية؛ فهو أحد أبرز الوجوه التي طبعت الحياة السياسية والانتخابية بمدينة فاس وعلى الصعيد الوطني خلال سنوات طويلة، وسبق أن مثل دائرة فاس الشمالية برلمانياً، كما يظهر في السجلات البرلمانية الرسمية.
وبالتالي، فإن اجتماع الرجلين في صورة واحدة، في هذا التوقيت تحديداً، كفيل بفتح باب التأويلات.
لكن التأويل لا يعني بالضرورة وجود تحالف أو اتفاق سياسي.
لماذا اليوم بالضبط؟
السؤال الأكثر إثارة ليس: أين التقطت الصورة؟ وإنما: لماذا ظهرت الآن؟
فاس تعيش فعلياً مرحلة إعادة ترتيب للأوراق استعداداً لاستحقاقات شتنبر 2026، والدائرة الشمالية تحديداً أصبحت محط أنظار، خصوصاً بعد المستجدات التي عرفتها وضعية عبد المجيد الفاسي، وما تبعها من نقاش بعد ظهور اسم سليغوة في ضمن من منحهم الحزب التزكية.
وفي هذا المناخ، تصبح صورة تجمع شخصية نقابية مرتبطة تاريخياً بالحزب مع شخصية سياسية صنعت جزءاً كبيراً من تاريخ فاس الانتخابي، مادة سياسية قابلة للقراءة بأكثر من زاوية.
هل هي رسالة إلى الاستقلاليين؟
هنا يبدأ السؤال الحقيقي.
إذا كان حزب الاستقلال بصدد إعادة ترتيب بيته الداخلي بفاس، فإن ظهور أبلهاض إلى جانب شباط قد يُقرأ، سياسياً، باعتباره إشارة إلى أن العلاقات الشخصية والسياسية القديمة لم تختفِ بالكامل، حتى وإن تغيرت المواقع والانتماءات والاصطفافات.
وقد يكون اللقاء مجرد مناسبة اجتماعية بين شخصين تجمعهما معرفة قديمة.
لكن السياسة لا تقرأ دائماً ما يقال فقط، بل تقرأ أيضاً التوقيت والصورة والرمزية.
وهذه الصورة تحديداً قد تفتح نقاشاً حول موقع أبلهاض في المرحلة المقبلة، وحول طبيعة علاقاته مع مختلف مكونات المشهد الاستقلالي والفاسي.
شباط.. حاضر من خارج المؤسسات؟
الأكثر إثارة أن اسم حميد شباط عاد إلى التداول السياسي بفاس، ليس بالضرورة من بوابة ترشحه الشخصي.
فقد سبق أن نفت مصادر إعلامية عزم شباط نفسه خوض الانتخابات التشريعية المقبلة، بينما تحدثت معطيات منشورة عن حضوره لدعم ابنته ريم شباط، التي تستعد للمنافسة بدائرة فاس الشمالية .
وهنا تصبح الصورة أكثر إثارة للاهتمام.
فالرجل الذي غادر موقعه الحزبي السابق لا يبدو غائباً عن المشهد الفاسي.
وجوده، تحركاته، وعلاقاته القديمة، كلها عناصر يمكن أن تكون حاضرة في الحسابات الانتخابية، حتى من دون أن يكون مرشحاً بنفسه.
دائرة الموت.. هل تتقاطع الحسابات؟
الدائرة الشمالية بفاس ليست مجرد دائرة انتخابية عادية؛ إنها واحدة من أكثر المناطق التي تحمل وزناً سياسياً ورمزياً داخل المدينة.
ومع تداول أخبار حول دخول أسماء وازنة إلى المنافسة، من بينها الحديث عن ترشح ريم شباط، فإن أي تحرك سياسي لشخصيات لها امتداد تاريخي في فاس سيحظى بالمتابعة.
وهنا يمكن فهم الاهتمام بصورة أبلهاض وشباط.
ليس بالضرورة أن يعلم الرجلين تحالفاً، بل لأن ظهورهما معاً يسمح بطرح سؤال أكبر: كيف ستتوزع خريطة النفوذ الانتخابي في فاس الشمالية؟
أبلهاض.. ورقة نقابية أم لاعب انتخابي؟
المعادلة الأخرى التي تستحق المتابعة تتعلق بإدريس أبلهاض نفسه.
خلال الفترة الماضية، طُرحت تساؤلات حول موقعه داخل المعادلة الاستقلالية بفاس، وهل سيظل الذراع النقابي للحزب رقماً أساسياً في الانتخابات المقبلة أم أن الحزب يتجه إلى هندسة جديدة لقيادته الانتخابية.
ومع اقتراب الاستحقاق، فإن أي شخصية تمتلك امتداداً نقابياً أو اجتماعياً داخل المدينة تصبح ذات قيمة في الحسابات الانتخابية.
لذلك فإن السؤال ليس فقط: مع من جلس أبلهاض؟
بل:
من يملك القدرة على تحريك الأصوات والأنصار والقواعد؟ ومن يستطيع تحويل العلاقات السياسية القديمة إلى قوة انتخابية جديدة؟
الصورة لا تثبت تحالفاً.. لكنها تفتح باباً كبيراً للتأويل
ومن الضروري هنا الفصل بين المعلومة والتحليل.
الصورة، في حد ذاتها، لا تثبت وجود تحالف انتخابي بين الرجلين، ولا تعني أن هناك اتفاقاً سياسياً تم التوصل إليه.
لكنها في المقابل تكشف شيئاً مهماً: أن قنوات التواصل بين شخصيات من أجيال ومراحل سياسية مختلفة ما زالت مفتوحة.
وهذا وحده كافٍ لجعل الصورة مثيرة للاهتمام في سياق انتخابي حساس.
وفي الختام قد تكون الصورة مجرد لقاء ودي بين شخصين يعرف أحدهما الآخر منذ سنوات.
وقد تكون، في المقابل، أكثر من ذلك بكثير.
ففي السياسة، خصوصاً قبيل الانتخابات، لا تُقرأ الصور فقط من خلال الابتسامات وإشارات النصر، وإنما من خلال السؤال: ماذا يعني ظهور هذه الشخصيات معاً في هذا التوقيت؟
والأيام المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كانت صورة أبلهاض وشباط مجرد لقاء عابر، أم أنها كانت إحدى أولى الإشارات إلى أن خريطة التحالفات والاصطفافات بفاس بدأت تتحرك من جديد.
والسؤال الذي سيبقى مطروحاً:
هل نحن أمام مصافحة بين رجلين من الماضي السياسي لفاس، أم أمام بداية تقاطع جديد قد يظهر تأثيره في صناديق الاقتراع؟



