استطلاعات رأي في إسبانيا تعيد الجدل حول مستقبل سبتة ومليلية المحتلتين والعلاقات مع المغرب

أعادت التطورات المرتبطة بأحداث سبتة الأخيرة ملف المدينتين المحتلتين إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي في إسبانيا، في وقت تتواصل فيه التساؤلات بشأن خلفيات الأحداث، ومستقبل إدارة الحدود، وطبيعة العلاقات بين مدريد والرباط.
وأفادت معطيات منسوبة إلى استطلاع للرأي نشرته صحيفة إسبانية، بأن جزءاً من الرأي العام الإسباني بات ينظر إلى أحداث سبتة المحتلة من زاوية تتجاوز التفسير الرسمي المرتبط بشبكات تهريب البشر، مع بروز نقاش أوسع حول الهجرة والحدود ومستقبل المدينتين.
تشكيك في رواية شبكات التهريب
وبحسب المعطيات الواردة في الاستطلاع، فإن نسبة محدودة من المشاركين أبدت ثقتها في فرضية وقوف مافيات تهريب البشر وراء الأحداث، بينما عبّر غالبية المستطلعين عن مواقف أكثر تشككاً في هذا التفسير.
ويأتي ذلك في سياق حساس أعقب الأحداث التي شهدتها سبتة المحتلة، والتي خلفت، وفق الأرقام الواردة في التقرير، خسائر بشرية كبيرة، وسط مطالب بإجراء تحقيقات دقيقة لتحديد المسؤوليات والوقوف على ملابسات ما جرى.
وكانت السلطات الإسبانية قد ربطت الأحداث، في تصريحات رسمية، بنشاط شبكات تهريب البشر، غير أن هذا التفسير لم ينه الجدل، خصوصاً في ظل اختلاف القراءات السياسية والإعلامية بشأن أسباب ودوافع ما حدث.
الهجرة تتحول إلى ورقة ضغط
وفي جانب آخر من الاستطلاع، يرى جزء مهم من الإسبان أن المغرب يمارس ضغطاً على مدريد من خلال ملف الهجرة، بينما يربط آخرون التطورات بالخلافات السياسية القائمة بين البلدين.
ويعكس هذا الجدل حساسية ملف الهجرة في العلاقات المغربية الإسبانية، خصوصاً أن الحدود البرية لسبتة ومليلية المحتلتين تشكل نقطة تماس مباشرة بين الاتحاد الأوروبي والقارة الإفريقية.
كما أظهرت نتائج الاستطلاع، وفق المعطيات المنشورة، دعماً واسعاً لتشديد الإجراءات الأمنية على الحدود، حيث يؤيد أكثر من 82 في المائة من المشاركين خيار تعزيز الطابع الأمني والعسكري للحدود في المدينتين.
هل تتغير السيادة على سبتة ومليلية المحتلتين؟
ومن أبرز الأرقام التي أثارت الانتباه اعتقاد نحو ربع المشاركين في الاستطلاع بإمكانية أن تصبح سبتة ومليلية تحت السيادة المغربية خلال السنوات العشر المقبلة، مقابل أغلبية تستبعد حدوث مثل هذا التحول.
ورغم أن هذه النتائج لا تعني بالضرورة وجود تحول سياسي فعلي في الموقف الإسباني الرسمي، فإنها تكشف استمرار حضور قضية المدينتين في النقاش العام، خصوصاً في ظل موقعهما الجغرافي والسياسي والاستراتيجي.
وتعتبر الرباط سبتة ومليلية مدينتين مغربيتين تخضعان للسيادة الإسبانية، بينما تؤكد مدريد تمسكها بسيادتها عليهما، ما يجعل الملف من القضايا الحساسة التي ظلت حاضرة بدرجات متفاوتة في العلاقات الثنائية.
الصحراء والهجرة.. ملفات متشابكة
ويأتي الجدل حول سبتة ومليلية في وقت تشهد فيه العلاقات المغربية الإسبانية تحولات مهمة، خصوصاً منذ تبني مدريد موقفاً داعماً لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدمه الرباط لتسوية نزاع الصحراء.
ويرى مراقبون أن ملف الصحراء أصبح محوراً أساسياً في العلاقات بين البلدين، في حين تحافظ قضية سبتة ومليلية المحتلتين على حساسيتها الخاصة، دون أن تتحول، في المرحلة الحالية، إلى ملف تفاوضي معلن بين الرباط ومدريد.
كما يظل ملف الهجرة عاملاً مؤثراً في العلاقات الثنائية، بالنظر إلى التعاون الأمني والحدودي بين البلدين، فضلاً عن الدور الذي تضطلع به إسبانيا باعتبارها بوابة رئيسية نحو الاتحاد الأوروبي.
استطلاعات تعكس استمرار الجدل
وتأتي نتائج الاستطلاع المذكور بالتزامن مع استطلاعات أخرى تناولت نظرة الإسبان إلى سياسة المغرب تجاه إسبانيا وملف الهجرة، وأظهرت، بحسب المعطيات المنشورة، وجود نسبة معتبرة من الإسبان الذين يرون أن الرباط تستخدم ملف الهجرة للضغط على مدريد.
ومع ذلك، تبقى استطلاعات الرأي مؤشراً على توجهات شريحة من المجتمع في لحظة زمنية محددة، ولا يمكن اعتبارها دليلاً حاسماً على وجود تحول في المواقف الرسمية أو على مستقبل السيادة على سبتة ومليلية.
وبينما يستمر الجدل داخل إسبانيا حول خلفيات أحداث سبتة، تبدو قضية المدينتين مرشحة للبقاء حاضرة في النقاش السياسي والإعلامي، خصوصاً مع استمرار ارتباطها بملفات الهجرة والأمن والعلاقات المغربية الإسبانية.
وفي ظل تشابك هذه الملفات، يبقى مستقبل سبتة ومليلية المحتلتين مرتبطاً بدرجة كبيرة بتطور العلاقات بين الرباط ومدريد، وبمدى قدرة البلدين على إدارة القضايا الخلافية بعيداً عن التصعيد، مع الحفاظ على المصالح المشتركة التي تجمعهما.



