تعيين رئيس الحكومة..نقاش و رسالة

بقلم: عبد السلام العزوزي – الحدث الإفريقي
تداول الاعلام الوطني والمشهد السياسي المغربي ومنصات التواصل الاجتماعي بقوة سؤالا مركزيا بعد انتهاء عملية فرز الأصوات، حول من سيقود حكومة المونديال كما روجها الخطاب الانتخابي. وانتهى هذا النقاش إلى أنباء غير رسمية بعزم جلالة الملك محمد السادس أمس الإثنين استقبال فاطمة المنصوري منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة. وإلى حدود صباح اليوم الثلاثاء، لم يرد أي بلاغ رسمي من الديوان الملكي يؤكد أو ينفي الاستقبال الملكي وتعيين فاطمة المنصوري رئيسة للحكومة المقبلة.
ويبدو أن فتح هذا النقاش بالنظر إلى الخريطة السياسية التي شكلتها صناديق الاقتراع والتي قلبت حسابات سياسية كثيرة وفاجأت البعض ممن كانوا يمنون النفس بتصدر الانتخابات، جعل أي هذا النقاش؛ المغاربة يفكرون ويناقشون جهرا، وهي عملية تبرز قيمة العصف الذهني للشعوب من أجل بلورة رؤية واضحة وبناء استراتيجية متمكنة من ضبط آليات الاشتغال في مناخ سياسي واجتماعي يتسم بقدر كاف من الاطمئنان والاستقرار.
وهو فعلا ما يطبخه المختبر السياسي للدولة العميقة الآن من أجل استخراج تركيبة سياسية تقود الحكومة المقبلة قد تخلط الأوراق المتداول فيها الأن، وتفاجئ الكثير. بالنظر إلى التحديات الكبرى والصعبة التي تواجه المغرب في العشرية المقبلة، إن على المستوى الداخلي أو على المستوى الجيواستراتيجي الخارجي.
إذن السؤال الأكثر حساسية الآن؛ هومن سيقود الحكومة المقبلة؟بعدما حُسم الأمر لصالح حزب الأصالة والمعاصرة الذي تصدر النتائج بـ97 مقعداً، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، وحزب الاستقلال بـ65 مقعدا.وحزب العدالة والتنمية ب 54 مقعدا.
وهنا تبدأ مساحة السياسة، بعد أن انتهت مساحة الأرقام. الانتخابية؛ والدستور المغربي واضح، فرئيس الحكومة يعينه الملك من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. لكن الفصل 47 لا يقول إن رئيس الحكومة يجب أن يكون بالضرورة الأمين العام للحزب أو منسقه، وهو ما يفتح من الناحية الدستورية والسياسية مجالاً لاختيار شخصية أخرى من الحزب المتصدر. وهذا تحديداً ما يجعل الحديث عن إمكانية تعيين رئيسة للحكومة من الأصالة والمعاصرة، وفي مقدمتها فاطمة الزهراء المنصوري، أحد السيناريوهات المتداولة سياسياً وإعلامياً، وليس قراراً معلناً.
والمنصوري نفسها لم تقدم نفسها باعتبارها صاحبة حق تلقائي في المنصب، بل أكدت أن قرار التعيين يعود إلى الملك، مع إعلان استعداد الحزب للعمل مع الشخصية التي سيقع عليها الاختيار. وهنا بالضبط تكمن أهمية اللحظة.
إذا انتهى المسار إلى تعيين امرأة من الحزب المتصدر على رأس الحكومة، فإن الأمر لن يكون مجرد تغيير في اسم رئيس الحكومة، بل يمكن أن يحمل دلالة رمزية ومؤسساتية وسياسية داخل المشهد المغربي.
فالمغرب الذي قطع خلال السنوات الماضية أشواطاً في تعزيز حضور المرأة في المؤسسات المنتخبة والإدارة والحياة العامة، سيجد نفسه أمام انتقال رمزي كبير إذا أصبحت امرأة على رأس الجهاز التنفيذي.
لكن قيمة الخطوة، في هذه الحالة، لن تقاس بجنس رئيس الحكومة بقدر ما ستقاس بما ستنتجه من أداء حكومي، ونجاعة في اتخاذ القرار، وقدرة على تنفيذ البرامج، وربط المسؤولية بالمحاسبة. بمعنى آخر، لن يكون التحدي في كسر الحاجز الرمزي، وإنما في تحويله إلى ممارسة مؤسساتية ناجحة. وهذا يجعل مهمة رئيس الحكومة المقبل مختلفة عن مجرد قيادة حزب فائز. بل المطلوب سيكونبناء تحالفات، إدارة توازنات، صياغة برنامج مشترك، وضمان انسجام حكومي، في وقت ينتظر فيه المواطن المغربي أجوبة ملموسة عن التشغيل، والتعليم، والصحة، والسكن، والقدرة الشرائية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. ومن هنا، فإن اختيار شخصية من الأصالة والمعاصرة لرئاسة الحكومة ــ إذا حصل ــ سيضع الحزب أمام مسؤولية مضاعفة متمثلة في مسؤولية الفوز الانتخابي، ثم مسؤولية تحويل هذا الفوز إلى حكومة قابلة للعمل والإنجاز.
المنصوري.. دلالة سياسية مختلفة
اسم فاطمة الزهراء المنصوري يكتسب في هذا السياق دلالة خاصة، ليس فقط باعتبارها من أبرز قيادات الأصالة والمعاصرة، وإنما أيضاً لكونها تمثل تجربة سياسية وحزبية ذات حضور في المشهد العمومي. لكن تحويل هذا الاسم إلى رئاسة الحكومة يظل قراراً سيادياً لا يمكن استباقه.
والأهم أن أي قراءة سياسية جادة ينبغي ألا تختزل المشهد في ثنائية المنصوري أو لقجع، وهي الثنائية التي حضرت بقوة في النقاش الإعلامي منذ ظهور نتائج الانتخابات. فقد أوردت وسائل إعلام دولية ومحلية أسماء متعددة في سياق النقاش حول رئاسة الحكومة المقبلة، فيما ظل الحزب نفسه يؤكد أن القرار النهائي يعود إلى الملك.
خارجياً.. ماذا يمكن أن تعني حكومة يقودها وجه نسائي؟
على المستوى الخارجي، سيكون لأي تغيير في قيادة الحكومة المغربية اهتمام خاص، ليس لأن السياسة الخارجية تُختزل في شخص رئيس الحكومة، بل لأن صورة المغرب المؤسساتية تحظى باهتمام شركائه الأوروبيين والأفارقة والدوليين.
فالمغرب يتحرك اليوم في فضاء إقليمي ودولي شديد التعقيد بالنظر إلى علاقاته مع الاتحاد الأوروبي، وشراكاته الإفريقية، وحضوره في المجال الأطلسي، وعلاقاته مع الولايات المتحدة الأمريكية، وتطور علاقاته الاقتصادية مع عدد من القوى الدولية.
وفي هذا السياق، فإن تعيين امرأة على رأس الحكومة يمكن أن يمنح المغرب عنصراً إضافياً في صورته الدبلوماسية والمؤسساتية، خاصة إذا اقترن ذلك بأداء حكومي فعال واستمرار في الالتزامات الدولية للمملكة.
لكن لا ينبغي المبالغة في قراءة الأمر باعتباره تحولاً في السياسة الخارجية؛ فاختيارات المغرب الاستراتيجية الكبرى لا تتحدد فقط بهوية رئيس الحكومة، كما أن الاختصاصات الدستورية في مجال السياسة الخارجية والأمن والدفاع تجعل قراءة أي تعيين حكومي من هذه الزاوية أكثر تعقيداً.
أفريقيا.. الاختبار الأكثر أهمية
المغرب لم يعد يتعامل مع أفريقيا باعتبارها مجرد مجال للعلاقات الثنائية، بل باعتبارها فضاءً استراتيجياً للاستثمار، والتجارة، والطاقة، والبنية التحتية، والأمن، والتعاون جنوب-جنوب. ومن ثم فإن الحكومة المقبلة ستجد نفسها أمام سؤال عملي، هو كيف يمكن تحويل الحضور المغربي في أفريقيا إلى قيمة اقتصادية وتنموية أكبر؟ وهنا ستبرز ملفات من قبيل الاستثمارات المغربية في القارة، والمبادلات التجارية، والربط اللوجستي، والمبادرة الأطلسية، ومشاريع الطاقة، ودعم اندماج الاقتصادات الإفريقية.
وبالتالي، فإن شخصية رئيس الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بالتعامل مع أفريقيا باعتبارها جزءاً من الاقتصاد السياسي للمغرب، وليس مجرد ملف دبلوماسي.
مونديال 2030.. حكومة أمام ساعة توقيت
هناك عامل آخر يجعل تشكيل الحكومة المقبلة مختلفاً ارتباطا بالاستعدادات لتنظيم كأس العالم 2030. فالحكومة المقبلة ستصل إلى السلطة في مرحلة تتزامن مع مشاريع ضخمة في البنية التحتية والنقل والسياحة والملاعب والخدمات، بالتوازي مع تحديات اقتصادية واجتماعية لا يمكن تأجيلها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لن يكون فقط، من سيجلس في كرسي رئاسة الحكومة؟ بل من يستطيع إدارة هذه المرحلة الصعبة؟ومن يستطيع الجمع بين الاستثمار والتنمية الاجتماعية؟ومن يستطيع تحويل الاستحقاقات الدولية الكبرى إلى فرص اقتصادية حقيقية؟ومن يستطيع استعادة الثقة السياسية لدى فئات واسعة من الشباب؟ وفي النهاية من يستطيع أن يحافظ على وثيرة السلم الاجتماعي وحيوية المجتمع المدني في ظل احترام للحقوق والحريات؟.
التعيين بين الرمز والرهان
إذا اختار الملك شخصية نسائية من حزب الأصالة والمعاصرة لرئاسة الحكومة، فإن الرسالة الداخلية ستكون واضحة في أحد مستوياتها، مهما فتحت من جدال أوسع حول مدى قدرة رئيس الحكومة المزمع تعيينها تسيير الشأن العام ، والتفاعل الممكن مع بعض الخصوصيات المغربية خصوصا في شقها المحافظ.
أما الرسالة الخارجية، فستمكن من توجيه البوصلة تجاه المملكة التي اهتمت كثيرا بالمرأة وحقوقها من خلال رزنامة من الإصلاحات الجذرية فيما يتعلق بدور المرأة في المجتمع وتمكينها من تحمل المسؤولية في مواقع صناعة القرار.
وبذلك سيعتبر العالم أن المغرب يواصل تطوير مؤسساته، ويمنح للمرأة موقعاً متقدماً في القيادة السياسية، دون أن يعني ذلك تغييراً في ثوابته الاستراتيجية أو في هندسة اختصاصاته الدستورية. لكن التاريخ السياسي لا يصنعه التعيين وحده. فالاختبار يبدأ في اليوم التالي من خلال اختبار الأسعار، والتشغيل، والصحة، والتعليم، والاستثمار، والعدالة المجالية، والعلاقات مع أفريقيا، والالتزامات الدولية، والتحضير للاستحقاقات الكبرى.
من انتصار الحزب إلى امتحان الدولة
انتهت صناديق الاقتراع بإعطاء الأصالة والمعاصرة المرتبة الأولى، لكنها لم تمنحه أغلبية تمكنه من الحكم منفردا. والآن تبدأ مرحلة أخرى أكثر تعقيداً؛ هي مرحلة بناء الأغلبية. وهنا يمكن أن يكون تعيين شخصية من الحزب المتصدر بداية لمرحلة جديدة، لكن نجاحها لن تحدده هوية رئيس الحكومة وحدها، وإنما قدرة الأغلبية المقبلة على إنتاج حكومة منسجمة، وبرنامج واضح، وأولويات قابلة للقياس، ومسؤولية سياسية واضحة أمام البرلمان وأمام المغاربة.



