
«لفقيه اللي كنا نتمنّاو شفاعتو، دخل للجامع ببلغتو»
ألمانيا- منير لكماني
ليست كل البدايات على قدر ما يسبقها من انتظار، ولا كل الأسماء الكبيرة تدخل السياسة بالحجم نفسه الذي صنعته خارجها. ولعل المثل المغربي «لفقيه اللي كنا نتمنّاو شفاعتو، دخل للجامع ببلغتو» يختصر تلك اللحظة التي يكون فيها سقف الترقب عاليا، ثم تأتي الإطلالة الأولى أقل مما كان منتظرا.
بهذا المعنى، بدا الظهور السياسي الأول لفوزي لقجع مثيرا للأسئلة أكثر مما كان حاسما في تقديم الأجوبة.
فالرجل لم يأت إلى السياسة من الهامش، ولم يحتج إلى حزب يمنحه اسما أو حضورا أو موقعا في الصفوف الأولى. لقد سبقته مسؤوليات وملفات وتجارب جعلت صورته معروفة قبل أن يدخل المجال الحزبي. ولذلك لم يكن السؤال: من هو فوزي لقجع؟ بل: ماذا سيضيف فوزي لقجع إلى السياسة المغربية؟
هنا كان الانتظار.
غير أن الرجل، في أولى إطلالاته، استعاد كثيرا من عناصر مساره داخل مؤسسات الدولة، وحضرت في كلمته عبارات من قبيل «سيدنا»، كما حضرت الإشارة إلى التعيينات والثقة والتوجيهات الملكية. ومن الطبيعي أن يعتز مسؤول بمحطات من مساره، وأن يستحضر الثقة التي حظي بها، فهي جزء من تجربته ولا معنى لمحوها عند الانتقال إلى العمل الحزبي.
لكن المنصة الحزبية تفرض سؤالا مختلفا.
فحين يدخل المسؤول إلى مجال التنافس السياسي، لا يعود ماضيه وحده كافيا لتعريف موقعه الجديد. هنا تبدأ الحاجة إلى التمييز بين رصيد اكتسبه داخل مؤسسات الدولة، ورصيد آخر لا يصنعه إلا أمام الناخب.
المؤسسة الملكية ليست طرفا في التنافس بين الأحزاب، والملك فوق حسابات الأغلبية والمعارضة معا. ومن ثم فإن المسؤول القادم من موقع مؤسساتي كبير يكون مطالبا، أكثر من غيره، بأن يحافظ على وضوح الحدود بين ما يعود إلى مساره الرسمي، وما يريد أن يبنيه لنفسه داخل المجال السياسي.
فالتعيين يمنح مسؤولية، أما الانتخاب فيطلب ثقة.
والفرق بينهما ليس لغويا فقط، بل هو جوهر المسافة بين رجل الدولة ورجل السياسة.
لهذا لا يحتاج لقجع إلى أن يتبرأ من ماضيه، ولا إلى أن يصنع لنفسه سيرة جديدة. المطلوب أن يحول خبرته السابقة إلى مضمون سياسي قابل للفهم والاختبار: أن تصبح معرفته بالأرقام تصورا اقتصاديا، وتجربته في الإدارة رؤية للإصلاح، واحتكاكه بالملفات الكبرى قدرة على اقتراح حلول واضحة.
فهنا يبدأ المواطن في طرح أسئلته.
ماذا عن البطالة؟ ماذا عن الطبقة الوسطى؟ ماذا عن التعليم والصحة؟ ماذا عن المقاولات الصغيرة؟ ماذا عن الفوارق بين المدن والقرى؟ وكيف يمكن لمسؤول يعرف المالية العمومية من الداخل أن يشرح للمغاربة أين توجد إمكانات الإصلاح، وأين تبدأ حدود الممكن؟
هذه الأسئلة هي التي تصنع صورة السياسي.
أما المناصب السابقة، مهما كان وزنها، فهي تمنح صاحبها فرصة أفضل للدخول إلى النقاش، لكنها لا تمنحه جوابا جاهزا عنه. وعند هذه النقطة تحديدا تصبح قضية لقجع جزءا من سؤال أكبر يتعلق بكل الوافدين على السياسة.
فالانتخابات المقبلة قد تحمل معها أسماء قادمة من الإدارة والأعمال والرياضة ومجالات أخرى. وليس في ذلك ما يدعو إلى الاعتراض من حيث المبدأ. الحياة الحزبية تحتاج إلى كفاءات جديدة، وربما تحتاج أيضا إلى شخصيات لم تستهلكها الخصومات القديمة.
لكن التجديد لا يتحقق بمجرد تغيير الوجوه.
فالوافد لا يصبح سياسيا لأنه انضم إلى حزب، كما أن المنصب السابق لا يتحول تلقائيا إلى برنامج انتخابي. هناك فرق بين أن يدخل المرء إلى السياسة بخبرته، وأن يدخل إليها بهالة منصبه.
الأولى يمكن أن تكون قيمة مضافة. أما الثانية فقد تتحول إلى عبء إذا لم تسندها فكرة ومشروع وقدرة على مخاطبة المواطن من موقع سياسي واضح.
ولهذا يصبح الوافدون تحت المجهر.
ليس لأن الأصل فيهم الشك، بل لأن الانتظار منهم أكبر. فالذي يأتي إلى السياسة محملا بصورة الرجل الناجح يصبح مطالبا بأن يثبت أن نجاحه السابق يمكن أن ينتج شيئا جديدا داخل المجال الحزبي.
وفوزي لقجع يملك، من هذه الزاوية، فرصة حقيقية.
فهو لا يحتاج إلى قوة الاسم بقدر ما يحتاج الآن إلى قوة الفكرة. ولا يحتاج إلى تذكير المغاربة بالمواقع التي شغلها بقدر ما يحتاج إلى أن يشرح لهم الموقع الذي يريد أن يشغله داخل السياسة، والمشروع الذي يريد أن يدافع عنه.
نحن نعرف لقجع المسؤول، ونعرف لقجع الرياضي، ونعرف الرجل الذي ارتبط اسمه بالأرقام والملفات الكبرى.
أما لقجع السياسي، فما يزال في طور التعريف بنفسه. والانتخابات لن تحاسبه على المكان الذي جاء منه، بل على الوجهة التي يقترحها.
وعندها فقط سنعرف إن كان «الفقيه» قد دخل الجامع ببلغته فعلا، أم أنه سيتدارك البداية ويدرك أن للسياسة بابا لا يفتح بالرصيد السابق وحده، بل بالمشروع والثقة والقدرة على الإقناع.



