الساحل الافريقي..التهديد الأمني أزمة إقليمية عابرة للحدود

الرادار الافريقي- الثلاثاء 11 غشت 2026
عين الرباط على إفريقيا
لم يعد التهديد الأمني في منطقة الساحل مجرد سلسلة من الهجمات المتفرقة، بل يتحول تدريجياً إلى أزمة إقليمية عابرة للحدود، تفرض نفسها على أجندة غرب إفريقيا بأكمله. فقد ناقش مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، خلال اجتماعه الأخير، التطورات السياسية والأمنية والإنسانية في الساحل، وسط تحذيرات من استمرار نشاط الجماعات المرتبطة بـ«جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» وتنظيم «الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى»، خصوصاً في بوركينا فاسو والنيجر.
واللافت أن النقاش الإفريقي لم يعد يدور فقط حول كيفية مواجهة الإرهاب، وإنما حول إعادة بناء منظومة أمن إقليمية قادرة على التنسيق والاستجابة الجماعية. وتزداد صعوبة المعادلة مع استمرار التوتر بين دول تحالف الساحل، مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وبعض جيرانها في غرب إفريقيا. فقد رفضت دول التحالف تصريحات للرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو حمّل فيها تدهور الوضع الأمني في دول التحالف جزءاً من مسؤولية تنامي التهديدات التي تواجه نيجيريا.
ما يعني ذلك أن الساحل يدخل مرحلة يصبح فيها السؤال الأمني مرتبطاً مباشرة بسؤال من يقود الأمن الإقليمي في غرب إفريقيا؟
السودان..الحرب التي تستنزف مستقبل الدولة
في السودان، لا تبدو الأزمة مجرد حرب مفتوحة بين طرفين، بل عملية استنزاف عميقة لمقومات الدولة والمجتمع. وتشير تقديرات حديثة إلى أن الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 خلفت أكثر من 150 ألف قتيل ونحو 15 مليون نازح، في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم.
وفي ظل استمرار القتال والحصار، تتزايد الدعوات إلى فتح ممرات إنسانية، فيما دعا البابا ليو الرابع عشر إلى ممر إنساني باتجاه مدينة الأبيض المحاصرة. لكن الأخطر أن الحرب لا تدمر الحاضر السوداني فقط؛ إنها تستهلك المستقبل الاقتصادي والاجتماعي للدولة.
فكلما طال أمد النزاع، اتسعت الفجوة بين السودان الذي كان يمكن أن يكون قوة زراعية واقتصادية إقليمية، والسودان الذي يواجه اليوم أزمة في البنية التحتية والخدمات والنزوح والاستثمار. لذلك، إنهاء الحرب لم يعد قضية إنسانية فقط، بل أصبح شرطاً لإعادة بناء الدولة السودانية ومنع تحول الأزمة إلى عامل دائم لعدم الاستقرار في القرن الإفريقي وحوض النيل.
إفريقيا..من منجم الثروة إلى مصنع القيمة
في الجانب الاقتصادي، تتأكد يوماً بعد يوم حقيقة أن المعادن الاستراتيجية أصبحت إحدى أهم ساحات التنافس الدولي على إفريقيا.
فالقارة تمتلك احتياطيات ضخمة من المعادن الحيوية المرتبطة بالطاقة المتجددة والبطاريات والصناعات المتقدمة، لكن التحدي الحقيقي لم يعد في استخراج هذه الموارد، بل في قدرة الدول الإفريقية على الانتقال من تصدير الخام إلى المعالجة والتصنيع وإنتاج القيمة المضافة داخل القارة.
وتكشف الدراسات الدولية أن التنافس لم يعد بين الشركات فقط، وإنما بين استراتيجيات دول كبرى تسعى إلى تأمين سلاسل الإمداد الخاصة بالمعادن الحيوية وتقليص اعتمادها على مصادر محددة، في وقت تحاول فيه الحكومات الإفريقية رفع قدرتها التفاوضية. وهنا تبرز المعادلة الجديدة، من يملك المعدن يملك ورقة قوة، ومن يصنع المعدن يمتلك جزءاً من السيادة الصناعية.
المغرب..الرياضة تتحول إلى قوة ناعمة
في الرباط، لا تتوقف أصداء كأس إفريقيا للسيدات عند حدود الرياضة. فقد بلغ المنتخب المغربي للسيدات نصف نهائي كأس إفريقيا للأمم 2026 بعد فوزه على جنوب إفريقيا 2-1، كما ضمن التأهل إلى كأس العالم للسيدات 2027. وسيواجه المنتخب المغربي نظيره الكاميروني في نصف النهائي يوم 12 غشت.
وفي المقابل، بلغت الجزائر أيضاً الدور نصف النهائي، إلى جانب مالاوي، بما يمنح البطولة بعداً مغاربياً وإفريقياً لافتا.
الأهمية هنا تتجاوز النتيجة الرياضية. فاستضافة المغرب للبطولة، وما يرافقها من حضور جماهيري وإعلامي وبنية تحتية وتنظيم قاري، تجعل الرياضة جزءاً من الدبلوماسية الناعمة ومن صورة المغرب داخل إفريقيا.
إفريقيا الرقمية..الذكاء الاصطناعي يدخل الجريمة
وفي زاوية التكنولوجيا والأمن الرقمي، تتسارع التحولات في القارة. فبحسب معطيات حديثة نقلتها تقارير عن الإنتربول، بات الذكاء الاصطناعي يُستخدم في أكثر من نصف الجرائم الإلكترونية التي يتم رصدها في إفريقيا، مع ارتفاع قدرات المحتالين على تنفيذ عمليات أكثر سرعة واتساعاً وتعقيداً.
المفارقة أن القارة التي تراهن على التحول الرقمي لتسريع التنمية تجد نفسها مطالبة في الوقت ذاته ببناء منظومة إفريقية للأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي المسؤول. فالتحول الرقمي لم يعد ملفاً اقتصادياً فقط؛ إنه أصبح أيضاً ملفاً للأمن القومي.
مؤشر إفريقيا
الأمن: ضغط متصاعد في الساحل
الاستقرار الإنساني : السودان في وضع بالغ الخطورة
الاقتصاد: تصاعد فرص المعادن الاستراتيجية
التصنيع: التحدي في الانتقال من استخراج الخام إلى القيمة المضافة
التحول الرقمي: ارتفاع مخاطر الجريمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي
القوة الناعمة: المغرب يعزز حضوره القاري عبر الرياضة والتنظيم
الصورة التي ترسمها أخبار إفريقيا هذا الصباح تبدو متناقضة للوهلة الأولى. ففي الوقت الذي تتسابق فيه القوى الدولية على المعادن الاستراتيجية، وتبحث الشركات عن أسواق جديدة وفرص استثمار، وتتحول الرياضة والتكنولوجيا إلى أدوات جديدة للقوة الناعمة، لا تزال أجزاء واسعة من القارة عالقة في أزمات الأمن والحرب والهشاشة المؤسساتية. لكن خلف هذه المفارقة يوجد تحول أعمق: إفريقيا لم تعد مجرد ساحة تتنافس فيها القوى الدولية؛ إنها تتحول تدريجياً إلى طرف في إعادة تشكيل قواعد اللعبة نفسها.
والسؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة ليس مَن سيأتي إلى إفريقيا؟ بل، ماذا ستفعل إفريقيا بثرواتها، وموقعها، وأسواقها، وشبابها، عندما تصبح هي نفسها جزءاً من صناعة القرار العالمي؟



