Hot eventsأخبارقصص متحركة

الشاب الذِي هرَبتْ أَسْئِلَتُه

بقلم: محمد بنداحة

لم يكن سالم يعرف على وجه الدقة أين وُلد. كانت أمه تقول إنه جاء إلى الدنيا في مخيمات لحمادة في ليلة هبت فيها عاصفة رملية حتى خُيِّل للنساء أن الخيام ستقتلع من جذورها، أما أبوه فكان يشير إلى الأفق الممتد ويقول:

— هنا وُلدتَ، وهناك سيولد الوطن.
كبر سالم بين الخيام المتشابهة، حتى أصبح يعتقد أن العالم كله مصنوع من القماش المهترئ والرمل والانتظار. كان الأطفال يحفظون الأناشيد قبل أن يحفظوا أسماء المدن، ويرسمون خرائط لم يروها، ويحلمون بأماكن لم تطأها أقدامهم، ويعتقدون أن تحرير الوطن سيتم من ذلك المكان، أو أن الوطن سيأتي عندهم ليأويهم أو تأتي بدله الشهادة.
كان الوطن بالنسبة إليه صورة معلقة في جدار المدرسة، وخطابات تُردد، وأغانٍ تُنشد في المناسبات، وحماس يصدقه دون أن يعلم جوهره.

عندما بلغ السادسة عشرة وكانت له فرصة تلقي الأخبار عبر الجوال، بدأ يتساءل ويسأل.
في إحدى الأمسيات سأل رفاقه:
ـ إذا كان الوطن ينتظرنا، فلماذا يولد أبناؤه هنا ويموت شيوخه هنا؟
ثم أضاف:
ـ إذا كنا نناضل من أجل الحرية، فلماذا لا نعيشها هنا؟
وتوقف قليلًا قبل أن يسأل:
ـ ولماذا يسمح للآخرين بالعيش هناك بينما ننتظر نحن؟ إذا كنا لاجئين، فلماذا لايسمح لنا بالتنقل هنا وهناك؟
وواصل سائلا:
-لماذا بقي الآخرون في الضفة الأخرى ينعمون بالأمن والاستقرار، ولايأخذونا لتحرير الوطن؟
ساد الصمت. قال أحدهم:
— لا تطرح مثل هذه الأسئلة.
وفي المدرسة سأل معلمه:
— لماذا لا نستطيع السفر بحرية؟
فأشاح الرجل بوجهه، وسأل سالم أحد المسؤولين:
— إذا كنا على حق، فلماذا يخاف الناس من الكلام؟
فأجابه ببرود:
— هناك أسئلة تؤذي أصحابها.
منذ ذلك اليوم، شعر سالم أن العيون تلاحقه. بدأ يرى أشياء لم يكن يراها من قبل.
شاحنات تصل ثم تختفي. شبابًا يكبرون دون مستقبل، رجالًا يهمسون عن أقارب غادروا ولم يعودوا، وأمه التي تخفض صوتها كلما اقترب الغرباء.
ذات ليلة سأل أباه:
— هل ولدت هنا؟
قال الأب:
— لا.
— وهل تريد أن تموت هنا؟
ظل الرجل صامتًا طويلًا، ثم خرج من الخيمة دون جواب. وكان ذلك الصمت أول حقيقة يكتشفها سالم.
في إحدى الليالي، اقترب منه حارس يعرفه منذ طفولته.
قال بصوت خافت:
— لقد أصبح اسمك يُذكر كثيرًا.
سأله سالم:
— ماذا يعني ذلك؟
أجاب الرجل:
— يعني أن أسئلتك لم تعجبهم، وسلامتك غير مضمونة.
صمت قليلًا ثم أضاف الحارس:
— إذا قررت الرحيل، فلا تتأخر.
نظر إليه سالم مذهولًا.
— ولماذا تساعدني؟
ابتسم الحارس ابتسامة متعبة.
— لأنني لاأستطيع الرحيل.
حل الليل. كانت الريح تتحرك بين الخيام كأنها تحمل أسرارًا كثيرة.
ودع سالم أمه دون أن يخبرها بشيء.
نظر طويلًا إلى أخته الصغيرة وهي نائمة.
أما أبوه، فقد ظل مستيقظًا.
وحين خرج سالم، قال الأب دون أن يلتفت:
— إذا وصلت، فلا تعد.

اختفى سالم. وفي الصباح، انتشر الخبر في المخيم.

قيل إنه هرب. وقيل إنه اخُتطف. وقيل إنه خان.
سيارات الأمن وصلت قبل أن تنتهي الشائعات. دخل الرجال الخيمة دون استئذان. قلبوا الأمتعة. مزقوا الدفاتر. بعثروا الصور. فتشوا الجوال، وسألوا الأب:
— أين ذهب؟
قال:
— لا أعلم.
فساد صمت ثقيل.
أُخذ الأب أكثر من مرة.
كان يعود متعبًا والكدمات ظاهرة على جسده.
يجلس قرب الباب، ويشعل سيجارة ولا يتكلم.
وفي إحدى الليالي، عاد ووجهه شاحب، يخفي سرا ما.
جلست الأم قربه. قال بصوت خافت:
— وصل سالم.
ولأول مرة، بكت المرأة.
أصبحت الخيمة مكانًا يخشاه الجيران.
الرجال يمرون مسرعين.
النساء يكتفين بالنظر من بعيد.
الأطفال مُنعوا من اللعب قربها.
أما الأخت الصغيرة، فكانت تجلس كل مساء أمام الباب.
تنظر إلى الأفق وكأنها تنتظر ظلًا يخرج من الرمال، لكن شيئًا آخر كان يحدث في المخيم.
بدأ الشباب يتذكرون أسئلة سالم.
قال أحدهم:
— هل تتذكرون عندما سأل لماذا نخاف من الطريق؟
وقال آخر:
— كان يقول إن الحقيقة لا تحتاج إلى حراس.
وتذكر ثالث قوله:
— إذا كان الوطن جميلًا، فلماذا يُمنع الناس من الوصول إليه؟
صارت الأسئلة تنتقل همسًا.
في طوابير الماء، وفي الليالي الطويلة، وعند أطراف المخيم.
وفي إحدى الأمسيات، جلس شاب قرب خيمة سالم.
سأل الأخت الصغيرة:
— هل سيعود أخوك؟
قالت:
— لا أعرف.
ثم أضافت:
— لكنه ترك هنا أشياء كثيرة.
نظر الشاب داخل الخيمة.
لم ير شيئًا، لكن الفتاة كانت تشير إلى شيء لا يُرى، إلى تلك الأسئلة التي أخذت تتجول بين الخيام.
أسئلة لا تستطيع الدوريات اعتقالها، ولا تستطيع الأوامر إسكاتها.
بعد أشهر، اختفى شاب آخر.
ثم شاب ثالث.
وبدأت الأحاديث تنتشر كالنار تحت الرماد.
هرب سالم مرة واحدة، أما أسئلته، فما زالت تتسلل كل ليلة، والريح هي الأخرى تعبر بين الخيام، كأن الصحراء نفسها بدأت تسأل.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button