المغرب بين قوة التضامن وتسارع الأوراش وتحديات الاقتصاد والماء

في قراءة متأنية لأبرز ما حملته الصحف الوطنية والإلكترونية الصادرة اليوم الأربعاء 19 غشت 2026، يبدو المغرب أمام لوحة متعددة الأبعاد، تجمع بين مؤشرات اقتصادية تستدعي اليقظة، ومعطيات مائية تبعث على قدر من الاطمئنان، وأوراش تشريعية وبنيات تحتية تتقدم بوتيرة متسارعة، إلى جانب استمرار حضور البعد الإنساني والتضامني في المجتمع المغربي.
ولعل أبرز ما يستوقف المتابع هو المعطيات التي كشف عنها بنك المغرب بشأن العجز التجاري، الذي ارتفع بنسبة 23.5 في المائة ليصل إلى 198.4 مليار درهم عند نهاية يونيو 2026. فالواردات، التي بلغت 458.8 مليار درهم، نمت بوتيرة تفوق الصادرات، التي سجلت 260.4 مليار درهم. وهي أرقام تعكس دينامية قوية للاقتصاد المغربي، لكنها في الوقت نفسه تضع مسألة التوازنات الخارجية وتعزيز القدرة التصديرية أمام تحديات حقيقية.
فارتفاع الواردات ليس بالضرورة مؤشرا سلبيا في حد ذاته، خصوصا عندما يرتبط بالاستثمار والتجهيز والإنتاج، لكن استمرار الفارق الكبير بينها وبين الصادرات يفرض مواصلة دعم القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، وتشجيع الصناعة الوطنية، وتوسيع قاعدة المنتجات المغربية القادرة على المنافسة في الأسواق الدولية.
وفي المقابل، تأتي وضعية السدود لتقدم صورة أكثر إيجابية. فقد بلغت نسبة الملء الوطنية حوالي 68.66 في المائة، مقابل 34.54 في المائة خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، أي بزيادة تفوق 34 نقطة مئوية. كما سجل حوض سبو نسبة ملء تناهز 81.67 في المائة، فيما تصدر حوض تانسيفت الترتيب بنسبة 82.99 في المائة.
غير أن الأرقام المائية الجيدة لا ينبغي أن تقود إلى الاطمئنان المفرط. فالمعطيات التي تداولتها الصحف الإلكترونية تشير إلى تراجع حقينات السدود بأكثر من 1.27 مليار متر مكعب منذ منتصف ماي، نتيجة الاستهلاك المرتفع خلال فصل الصيف، والري، والتزويد بالماء الصالح للشرب، والاستعمالات الصناعية، فضلا عن التبخر.
وهنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من تدبير الوفرة الظرفية إلى ثقافة دائمة لترشيد الماء، لأن المغرب، رغم تحسن وضعية السدود، يظل مطالبا بالتعامل مع الموارد المائية باعتبارها قضية استراتيجية مرتبطة بالأمن الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
وفي المجال التشريعي والمؤسساتي، يشكل صدور القانونين المتعلقين بالوكالات الجهوية للتعمير والإسكان وبالتجزئات العقارية محطة أخرى في مسار تحديث منظومة التعمير. فالإصلاح القانوني لا تكتمل قيمته بالنصوص وحدها، وإنما بمدى انعكاسها على الواقع، وتبسيط المساطر، وتحقيق عدالة مجالية، وضمان تخطيط عمراني قادر على مواكبة النمو الديمغرافي والاقتصادي للمدن والجهات.
أما في سوق الشغل والحماية الاجتماعية، فإن دخول المنحة الاستثنائية لفائدة الأسر التي تفقد أهلية الاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر بسبب ولوج أحد أفرادها إلى عمل مصرح به حيز التنفيذ، يحمل دلالة مهمة. فالهدف ليس فقط حماية الأسرة من فقدان مورد مالي بشكل مفاجئ، وإنما تشجيع الانتقال من الاستفادة من الدعم إلى الاندماج في سوق الشغل المهيكل، دون أن يتحول هذا الانتقال إلى مصدر للقلق الاجتماعي.
وتبرز في هذا السياق أهمية أن تكون الحماية الاجتماعية جسرا نحو الاستقلال الاقتصادي، لا وضعا دائما، وأن يكون العمل المصرح به أكثر جاذبية واستقرارا بالنسبة للأسر.
وفي مجال النقل، تبرز صفقة اقتناء 168 قطارا كعنوان آخر لطموح المغرب في إعادة تشكيل شبكة المواصلات الوطنية. فالمملكة لا تستعد فقط لاستضافة استحقاقات رياضية كبرى، بل تعمل على بناء منظومة نقل تستجيب لتحولات اقتصادية وعمرانية وسكانية تمتد آثارها إلى ما بعد سنة 2030.
فالقطار اليوم لم يعد مجرد وسيلة نقل، بل أصبح جزءا من سياسة التنمية الترابية، وربط المدن والمناطق، وتقليص الفوارق المجالية، وتحسين تنافسية الاقتصاد.
وفي الاتجاه نفسه، تتقدم أشغال الملعب الكبير للدار البيضاء ببنسليمان استعدادا لكأس العالم 2030، مع صفقة تهيئة وتعشيب أرضية الملعب بقيمة تناهز 92.47 مليون درهم. ومثل هذه المشاريع تعكس حجم التحول الذي تعرفه البنيات التحتية الرياضية بالمغرب، حيث أصبح الاستثمار في الملاعب والمنشآت جزءا من رؤية أوسع تتقاطع فيها الرياضة مع السياحة والنقل والاقتصاد والخدمات.
وبالتوازي مع ذلك، تبرز أخبار التنقيب عن الغاز بجرسيف، واستعداد شركة “بريداتور أويل أند غاز” لاستئناف عمليات الحفر، فضلا عن التحضيرات لحملة تنقيب جديدة عن النحاس في مشروع “تيرزيت”. وهذه المعطيات تضع الموارد الطبيعية ضمن دائرة الرهانات الاقتصادية المستقبلية، وإن كانت الجدوى التجارية لأي اكتشاف تظل مرتبطة بنتائج الدراسات والاستكشافات والاختبارات التقنية.
أما على المستوى الرقمي، فإن احتلال المغرب المرتبة 43 عالميا في تصنيف الأمن السيبراني لعام 2026، وفق ما أوردته الصحف الإلكترونية، يعكس تنامي الاهتمام بالأمن الرقمي وحماية البنية التحتية الحيوية. وفي عصر أصبحت فيه البيانات والأنظمة الرقمية جزءا من الأمن الاقتصادي والمؤسساتي، لم يعد الأمن السيبراني ترفا تقنيا، بل أصبح مكونا من مكونات السيادة الوطنية.
وفي القطاع البنكي، فإن دخول المنظومة القانونية الجديدة لتدبير الأزمات البنكية مرحلة متقدمة، مع إحداث سلطة خاصة لتسوية أزمات المؤسسات البنكية، يعكس بدوره حرصا على تعزيز متانة النظام المالي والاستعداد المبكر للمخاطر.
وإذا كان الاقتصاد والمال والبنيات التحتية يحتلون مساحة واسعة في المشهد، فإن البعد الإنساني يظل حاضرا بقوة. فاحتلال المغرب المرتبة 29 عالميا في مؤشر العطاء العالمي، وتأكيد أن 72 في المائة من المغاربة قدموا خلال سنة 2024 تبرعات مالية، يعكس رسوخ ثقافة التضامن داخل المجتمع.
إنها صورة أخرى للمغرب، لا تختزل في الأرقام والمؤشرات والمشاريع، وإنما تظهر فيها قيم التكافل والتعاون والعطاء.
وفي السياق نفسه، تحمل زيارة الأطفال المقدسيين لحديقة الحيوانات الوطنية بالرباط خلال المخيم الصيفي الذي تنظمه وكالة بيت مال القدس الشريف، رسالة إنسانية تتجاوز الترفيه، لتجسد استمرار الدعم المغربي لأطفال القدس، وإتاحة فضاءات تربوية وترفيهية لهم في إطار برنامج يحظى بالرعاية السامية.
وفي ملف آخر يرتبط بالإدارة والحكامة، جاء رأي مؤسسة وسيط المملكة بشأن مراقبة الرخص المرضية ليؤكد أن ممارسة الإدارة لصلاحياتها يجب أن تتم داخل إطار قانوني واضح، وباحترام مبادئ التناسب والموضوعية والحقوق والحريات. وهذه قاعدة أساسية في بناء الإدارة الحديثة: لا فعالية بدون قانون، ولا تدبير جيد دون احترام حقوق الموظف والمرفق العام في الوقت نفسه.
ويبقى سوق المال بدوره يعكس حالة من الترقب، إذ أنهى مؤشر “مازي” تداولات الثلاثاء على ارتفاع طفيف بنسبة 0.11 في المائة، وسط تباين أداء المؤشرات والقطاعات. وهي حركة تؤكد أن الأسواق المالية تتفاعل باستمرار مع المؤشرات الاقتصادية والمالية والانتظارات المستقبلية.
وفي المحصلة، فإن صورة المغرب التي ترسمها عناوين الصحف اليوم ليست صورة أحادية اللون.
هناك اقتصاد يتوسع لكنه يواجه تحدي العجز التجاري، وموارد مائية تحسنت لكنها تحتاج إلى ترشيد صارم، وتشريعات تتطور لكنها مطالبة بأن تنتقل آثارها بسرعة إلى الواقع، ومشاريع كبرى تتقدم استعدادا لـ2030 وما بعدها، واستثمارات في النقل والرياضة والطاقة والمعادن والأمن السيبراني، وفي المقابل مجتمع يحتفظ بواحد من أهم رأسماله غير المادي: التضامن.
وهنا تكمن المعادلة الحقيقية للمرحلة المقبلة: أن يتحول حجم المشاريع والاستثمارات إلى فرص اقتصادية واجتماعية ملموسة، وأن تتحول البنية التحتية إلى تنمية مستدامة، وأن يتحول الدعم الاجتماعي إلى جسر نحو الشغل، وأن تتحول الوفرة المائية الظرفية إلى وعي دائم بقيمة الماء، وأن يظل الإنسان في قلب كل هذه الأوراش.
فالمغرب الذي يستعد لاستحقاقات كبرى في أفق 2030، لا يحتاج فقط إلى ملاعب وقطارات ومشاريع ضخمة، بل يحتاج قبل كل شيء إلى اقتصاد أكثر توازنا، وموارد أكثر استدامة، ومؤسسات أكثر نجاعة، ومجتمع يظل وفيا لثقافة التضامن والعطاء.



